الكاتبة التونسية نافلة ذهب: البحر هو امتداد الخيال والحرية

الكاتبة التونسية نافلة ذهب ومن خلال مجمل ما أبدعته من قصص تبدو مشدودة دائما إلى البيئة التي احتضنتها في طفولتها، وسنوات مراهقتها.
الاثنين 2019/04/15
نافلة ذهب اختارت القصة القصيرة كمشروع أدبي ووسيلة للتعبير عن هواجسها وعن القضايا التي تشغلها

مطلع شهر أبريل الجاري، تمّ تكريم الكاتبة التونسية نافلة ذهب في الدار المغاربية للثقافة بالعاصمة. وعلى مدى يومين، قدم أساتذة وباحثون وكتاب، مداخلات نقدية وشهادات عن تجربة هذه الكاتبة التي ظلت على مدى مسيرتها، التي بدأت في السبعينات من القرن الماضي، مُخلصة للقصة القصيرة، مُتخذة منها أداتها الأساسية للتعبير عن همومها الشخصية، وعن هموم المجتمع بصفة عامة، ومركزة بالخصوص على ما يتصل بعالم المرأة من قضايا ومشاكل نفسية واجتماعية وغيرها.

وفي مجمل ما أبدعته من قصص، نعاين أن نافلة ذهب مشدودة دائما إلى البيئة التي احتضنتها في طفولتها، وسنوات مراهقتها. فقد ولدت في منطقة الوطن القبلي المعروفة بتقاليدها العريقة، وبحياتها المتوزعة بين البحر والأرض الخصبة. وكان والدها وهو خرّيج جامع الزيتونة، مغرما بالأدب، ولوعا بالشعر ناظما له، وحافظا لقصائد كثيرة عن ظهر قلب. كما كان مغرما بالموسيقى والمالوف حيث تعلّم العزف على العود، ونظم أغاني لم يمنح منها للتلحين سوى أغنية “كيف دار كاس الحب” التي لحنها الفنان المعروف محمد التريكي، وغنتها المطربة الكبيرة صليحة، لتكون واحدة من أشهر وأجمل أغانيها.

 وغالبا ما كان والدها يقيم جلسات حميمية مع أصدقائه في البيت، أو في البستان لتكون تلك الجلسات فرصة ذهبية للطفلة الصغيرة لتستمع إلى أحاديث ممتعة عن الشعر، وعن الموسيقى، وعن مواضيع أخرى ثقافية وفنية. وكان والدها مغرما أيضا بالكتب فيشتري لأبنائه منها الكثير، ويقرأ عليهم الشعر القديم، أو المعاصر، مرددا قصائد كثيرة كان يحفظها عن ظهر قلب.

ولأن نافلة ذهب أظهرت حبا مبكرا للكتب، فإن والدها المستنير، الرافض للتزمت والانغلاق كان يهتم بها اهتماما خاصا، ويحثها على القراءة. وفي فترة المراهقة قرأت المنفلوطي، وإحسان عبدالقدوس، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وجبران خليل جبران، وجرجي زيدان الذي كان يمتعها برواياته التاريخية التي تحملها إلى أمجاد العرب القديمة. وتحت تأثير تلك الكتب، شرعت ذهب تكتب خواطرها وهواجسها.

نافلة ذهب تحب أن تجرب أي فن آخر غيرها، بل هي لم تفكر في ذلك رغم أن الكثير من أبناء جيلها انصرفوا إلى كتابة الرواية

وفي سنوات الدراسة الجامعية، وكان ذلك في مطلع السبعينات من القرن الماضي، اكتشفت نافلة ذهب الأدب الفرنسي والعالمي، وأصبحت مغرمة بقراءة ألبير كامو، وجان بول سارتر، وسيمون دو بوفوار، وفرانسواز ساغان، ومارغريت دوراس، وألبرتو مورافيا، وغابريال غارسيا ماركيز. وتحت تأثير قراءاتها الجديدة شرعت تكتب قصصا أكثر نضجا على مستوى الشكل والمضمون. كما أنها أصبحت تتردد على المجالس الأسبوعية لـ“نادي أبوالقاسم الشابي” الذي كان يديره الأديب الراحل العروسي المطوي.

وكانت هذه المجالس تهتم بالقصة القصيرة، وتعقد جلسات نقدية تهتم بالبحث في فنونها الأسلوبية واللغوية. وكانت نافلة ذهب تساهم في تلك الجلسات بأفكارها النقدية التي جلبت لها تقدير جل أعضاء النادي المذكور. ومع نهاية السبعينات، أصبحت نافلة ذهب من أبرز وأشهر كاتبات القصة في تونس. ولا تزال كذلك إلى حد هذه الساعة.

ولكن لماذا لم تكتب الرواية؟ على هذا السؤال تجيب نافلة ذهب قائلة؛ إن القصة القصيرة هي وسيلتها المفضلة للتعبير عن هواجسها، وعن القضايا التي تشغلها. لذلك هي لا تحب أن تجرب أي فن آخر غيرها، بل هي لم تفكر في ذلك رغم أن الكثير من أبناء جيلها انصرفوا إلى كتابة الرواية. فما يعنيها هو أن تتقن الفن التعبيري الذي اختارته، وأن تظل مُخلصة له حتى النهاية. وقد أثبت كتاب كبار من جميع أنحاء العالم أمثال خورخي لويس بورخيس، وأليس مونرو الحائزة على جائزة نوبل للآداب، والأميركي رايمون كارفر، أن القصة القصيرة فن رفيع يمكن أن يرتقي إلى مستوى الرواية، بل قد يكون أحيانا أفضل منها من ناحية التكثيف والشاعرية.

وعن الحضور الدائم للبحر في قصصها، تقول نافلة ذهب “لقد ولدت في مدينة بحرية. وفي كل صباح، كنت أفتح نافذتي لأجد نفسي أمام البحر في مده وجزره. وكنت أحب الاستماع إلى حكايات صيادي الأسماك الذين يواجهون المصاعب هناك بعيدا عن الضفاف. وإجمالا يمكنني أن أقول إن البحر يمثّل بالنسبة إلي الجمال وامتداد الخيال والحرية المفرطة. بل هو أساس الوجود الذي لا ينقطع والتجديد المتواصل”.

14