الكاتبة التونسية نافلة ذهب والوفاء للقصة القصيرة

الأحد 2017/12/17
تيمم الكاتبة في قصصها جهة البحر باتساعه وغموضه وحكاياته الأليمة

منذ أواخر الستينات من القرن الماضي وحتى هذه الساعة، ظلت الكاتبة التونسية نافلة ذهب وفية للقصة القصيرة، جاعلة منها أداتها المفضلة للتعبير عن أفكارها، وخوالج نفسها، وتصوير خفايا النفس البشرية في خيباتها المرة تحديدا. والقصة القصيرة عند نافلة ذهب تبدو شبيهة بالتماعة في العتمة لشدة قصرها وكثافتها. فلا لغو، ولا ثرثرة، ولا التواءات، ولا خروج عن الموضوع، بل تركيز عليه بلغة شاعرية عذبة تمنح القصة جمالية رائعة. وربما لهذا السبب وجدت نفسي مندفعا لقراءة مجموعتها الجديدة “شرفة على البحر” الصادرة حديثا عن دار “تبر الزمان” التونسية، فلم أتركها إلا بعد أن التهمت كل القصص التي تضمنتها.

في هذه المجموعة يحضر البحر ليكون الشخصية الرئيسية فيها. فللبحر“أفق صديق لا حد له“. و“البحر طفولة بريئة ولعوب، وله شيخوخة هادئة فمجنونة كموجة الزبد. وهو دائم التجدد ولا يموت أبدا“. و“في البحر درر لمن يشاء الخلود“. و“البحر مثلي ومثلك، يعيش الفصول الأربعة، أحيانا في اليوم الواحد، فيكون هادئا، لطيف المعشر، أو يكون متقلبا يناشدك التعقّل، أو غاضبا يطالبك بالابتعاد عنه وأن تتحاشاه، وإذا صار ساخطا خرّب الضفتين ورماهما من وراء البحار”.

ويتجسد حضور البحر بشكل بديع في القصة التي منحت عنوانها “شرفة على البحر” للمجموعة بأكملها. هناك بيت على البحر تأتيه عائلة الصبية التي تروي القصة كل صيف. وتقول هذه الصبية التي لها مواصفات الصبية في رواية “القلب صياد وحيد” للأميركية كرسن ماكلارس حيث أنها تحب أن تتابع ما يدور من حولها اعتمادا على حواسها الخمس من دون أن تشعر الآخرين بذلك، إن والدها أخبر العائلة بأن عمتها ستقيم في الغرفة المواجهة للبحر. وفي الحين تلاحظ الصبية أن الخبر أثار امتعاض الأم لكنها أحجمت عن تفسير سبب امتعاضها. لذلك ستهتم الصبية بالبحث عن السر الذي جعل العمّة تحرص على الإقامة في الغرفة المطلة على البحر.

وهذه العمة تجاوزت سن الخمسين. وهي تعيش وحيدة. ولعلها ترملت أو هي عزباء. ومنذ البداية، تركز الصبية التي شرعت في تعلم اللغة الفرنسية، انتباهها على العمة التي تميل إلى الصمت والعزلة فلا تبوح بأسرارها لأحد. وهي تحب أن تجلس في الشرفة لتراقب البحر في مده وجزره. وأحيانا كانت تبدو “سعيدة ومنطلقة، وأحيانا أخرى تراها متوترة وكأن بها قلقا“. وكانت “تزفر ثم تستوي واقفة، إن كانت جالسة، أو تنطلق تحوم في البيت دون هوادة، وتطلق الزفرات في يأس ظاهر“.

العمة والغريب في جوار البحر

وذات مرة كانت الصبية منهمكة في تركيب جملة بالفرنسية تدور حول كلمة Amour وها هي تسمع صرير نافذة تفتح، وترى عمتها تجلس في الشرفة لتركز نظراتها على رجل شرع في خلع ملابسه استعدادا للسباحة. ثم لم يلبث الرجل أن استدار ناحية الشرفة ليبتسم للعمة التي همست له بالتحية. ظلت الصبية تراقب عمتها وما يدور بينها وبين الرجل الغريب، ولم تعد كلمة حب بالفرنسية تحتاج إلى أي شرح لديها. ولأنها تحب عمتها كثيرا فإنها أصبحت تحب أيضا الرجل الغريب الأنيق الذي يتحدث معها بالإشارات، ثم “يشقّ الموج مثل طائر بحري يظهر ويغيب بين ثنايا الماء في انسجام رائق“.

وفي يوم ما خرجت العمة، وعادت إلى البيت وقد انتفخت عيناها من البكاء. ولم يفهم أحد سبب بكائها. لكن حول طاولة العشاء كشفت عن سرها، مشيرة أنها ستتزوج من الرجل الذي تجلس يوميا في الشرفة لمراقبته وهو يسبح في البحر. وكأنها تصحو من حلم لذيد، تسمعها الصبية تقول هامسة “سوف نتفادى الشجار مثل جل الأزواج لأن خطيبي أخرس“.

وفي قصة “الحرقة” تتطرق نافلة ذهب إلى موضوع الهجرة السرية في مراكب الموت. وفي البداية تستحضر جملة من رحلة ابن جبير لجزيرة صقلية وفيها يقول “يطأ ميناء مسينا بقدمين من نار، يترك المراكب وراءه تصطفّ إلى حجر الميناء، كاصطفاف الجياد في مرابطها واصطبلاتها“. والفقرة تعيد إلى الأذهان مجد العرب في القديم عندما كانوا باسطين نفوذهم على جزيرة صقلية مثلما كان حالهم في الأندلس.

أما الآن فقد أضحت أمجادهم غبارا، ولم يعد أبناؤهم يترددون في إلقاء أنفسهم في البحر طمعا في الوصول إلى الجنة الموعودة التي هي أوروبا. وفي قصتها المذكورة تتحدث نافلة ذهب عن شاب يركب البحر سريا آملا في الوصول إلى جزيرة صقلية لكن المركب يتحطم فيموت مع جميع من شاركوه رحلته. ويكون خبر موته صادما لأمه حتى أنها لم تعد تطيق لمس الأسماك وأكلها. وكل يوم كانت تجلس على حافة الشاطئ تراقب البحر في مده وفي جزره عله يلفظ جثة ابنها. وراحت أحوالها تزداد تدهورا يوما بعد آخر. وفي النهاية انتحرت.

في مجموعة نافلة ذهب، هناك قصص لا تخلو من غرابة لا تكاد تختلف عن غرابة البعض من قصص بورخيس أو كافكا. وهذا هو حال قصة “قاتل النمل“. بطل هذه القصة رجل يكره النمل منذ طفولته. وكان يستهويه أن يسحق جحافله بقدميه كلما رآها تسير في خط مستقيم، “متعثرة بين نتوءات الأعشاب الجافة، محدثة خشخشة لا يستسيغها ولا يطمئن

إليها. وكل ذلك كان يدفعه إلى اليأس والقنوط. ومرة أحس بجحافل من النمل الأسود تزحف نحوه لتمزق سرواله، وتنهش لحمه، وتلتهم أذنيه، وتفقأ عينيه، وتجتث شعره..

وظل هو يئن ويصيح لكن لا مجيب.. وفي النهاية عثروا عليه وقد جن الليل في حفرة قرب المسبح تكسوه دماء لزجة بها آثار قوائم رفيعة.

ومثلما سبق وأن ذكرت، تميزت جميع قصص“شرفة على البحر” بتلك الشاعرية الدرامية التي جعل منها بورخيس عنصرا أساسيا في فن القصة القصيرة. وهذه الفقرة شاهدة على ذلك “يتمطى الفجر فوق سطوح المدينة راكضا بين قبابها بفرشاة من نور، ثم ينزلق رويدا رويدا إلى أزقتها وحواريها، يلوّن الأبواب بالأزرق والبني، والجدران بالأبيض، والزليج بساطع وأجمل الألوان.. تتمطى القطط في مخابئها وتتمطى، وقد بدت الأزقة مفعمة بالحياة ورائحة الفطائر الشهية تمني الزبائن بفطور صباحي متفرد الشذى“.

كاتب من تونس

13