الكاتبة السورية فاطمة نداف تعيدنا إلى حي الذكريات في حلب

رواية “المتاهة” واقعية في مكانها وأحداثها وشخصياتها، تدور أحداثها في حي الكلاسة الحلبي من أواخر الأربعينات إلى أواخر السبعينات.
السبت 2020/01/25
حي عريق مليء بالذكريات

حتى قبل أن أرى مدينة حلب، بل قبل أن أزور سوريا، كنت قد سمعت بحي الكلاسة الحلبي، كما سمع به كثيرون من أبناء جيلي، ممن كانوا يتابعون كل ما يجري في هذا القطر العربي، حتى كأن جميع وعود النهضة والتقدم تأتي منه، وأذكر أن أبناء هذا الحي العريق، كانت لهم مشاركاتهم في كل ما شهدته سوريا، وحلب إحدى قلاعها، من مقاومة وكفاح وانتفاضات وانقلابات على مرّ تاريخها.

قرأت أخيرا رواية بعنوان “المتاهة” للكاتبة السورية فاطمة نداف، والمكان فيها حي الكلاسة الحلبي، ومعظم أشخاصها من أبناء هذا الحي، من أجيال تنتسب إلى زمن الرواية الذي يمتد على ما يقرب من ثلاثة عقود، من أواخر الأربعينات إلى أواخر السبعينات، وتكاد هذه الرواية تؤرخ وترصد انعكاسات الأحداث الوطنية والقومية على هذا الحي، وفي حالات كثيرة على زقاق واحد من أزقة الحي المذكور، الذي يتأثر سلبا أو إيجابا بتلك الأحداث.

وهو من أقدم أحياء مدينة حلب وما زال يعدّ من قبل الباحثين مرجعا لمعرفة التراث الحلبي بجميع صفحاته، وبخاصة في الطقوس والعادات والتقاليد الاجتماعية، والكاتبة نداف، ولدت وعاشت طفولتها وصباها فيه، وكانت شاهدة على الكثير مما شهد من أحداث ومتغيرات في زمن روايتها هذه، وقد أشرنا إليه وحددناه من قبلُ في البداية.

أما روايتها “المتاهة”، ومن المفارقات أنها أنجزت كتابتها في ليبيا عام 1976، وهذا يعني أنها صدرت بعد أكثر من أربعين عاما من كتابتها، وأظن أن هذا التأخير في النشر بسبب عدم استقرار الكاتبة، حيث تنقلت بين طرابلس وبغداد ودمشق، ثم استقر بها المقام أخيرا في فنلندا.

رواية “المتاهة” التي كتبت قبل أربعين عاما تستعيد الكثير من يوميات الحياة في حي الكلاسة السوري العريق وتقاليده
رواية “المتاهة” التي كتبت قبل أربعين عاما تستعيد الكثير من يوميات الحياة في حي الكلاسة السوري العريق وتقاليده

وقبل أن أبدي ملاحظاتي بشأن “المتاهة” لا بد من القول، إنه ما عادت للرواية حدود فنية، وصارت مثلما يشبه النص المفتوح، وهذا الذي أصف به فن الرواية أو جنسها الأدبي، ليس تنظير ناقد من النقاد أو قول مدرسة نقدية، بل هو وصف لما نقرأه من روايات، فمنذ منتصف القرن العشرين وظهور ما اصطلح على وصفه بالرواية الحديثة، تعددت مواصفاتها، وقد نقرأ روايتين في وقت واحد، كتبهما روائيان من جيل واحد ومن ثقافة واحدة وبلغة واحدة، ومع كل هذا نجد فروقا بينة في المقومات الفنية بين الروايتين.

في هذا السياق تنتسب رواية “المتاهة” إلى الرواية الواقعية في مكانها وأحداثها وشخصياتها، بل حتى في متخيلها الذي يغني واقعية النص ولا يبتعد عن الواقع، لذا حين كتبت في عنوان هذه المقالة إن الكاتبة السورية فاطمة نداف أعادتنا إلى حي الكلاسة في حلب، فذلك ما عشته في جميع فصولها الثمانية والثلاثين، ومن خلال ما عاشه أناسه، جعلت القارئ يستذكر الأحداث الكبرى التي مرت بها سوريا أو عرفها الوطن العربي من قضايا وطنية وقومية، حيث العائلة التي قتلت قوات الاحتلال الفرنسي عائلها، كما كانت نكبة فلسطين حاضرة من خلال المقاتل ابن حي الكلاسة الذي تطوّع للدفاع عن عروبة فلسطين، فعاد من دون قدمين ليواصل حياته على كرسي متحرّك، وعشنا مع أبناء هذا الحي بكل عنفوان هؤلاء الأبناء، الحاضر في التاريخ الوطني والقومي، أعراس الوحدة المصرية – السورية وما اقترنت به من آمال، كما عشنا معهم وجع الانفصال، ونضالات مواجهة نتائجه على الصعيدين المدني والعسكري، والفكري منهما والحركي.

وكان التعدد الحزبي، ليس في حي الكلاسة فحسب، بل أيضا في الزقاق الذي تقيم فيه عائلة الساردة، وهنا لا بد من الإشارة إلى التماهي بين الكاتبة والساردة؛ هو انعكاس أو امتداد للقوى السياسية في سوريا آنذاك، حيث كان في ذلك الزقاق، القومي الناصري والبعثي والشيوعي والأخ المسلم، ويكون حضور كل منهم بتأثير المجتمع الذي تغلب عليه صفة المحافظة والالتزام الديني والاجتماعي، وعرف الحي ظاهرة هجرة بعض أبنائه من الشباب، بتأثير ظروف سياسية أو معيشية وبخاصة بعد الخامس من يونيو وما رافق النكسة من نتائج.

ورغم السيطرة الذكورية كما هو الحال في معظم الأحياء العريقة، فللمرأة حضورها من خلال نشاطها العملي أو من خلال طموحها في التحرر والتغيير فـ”الخوجة” عزيزة، وهي التي تعلم أبناء الحي القرآن الكريم والقراءة وتتخذ من بيتها مكانا للتعليم، وهي عازفة عود أيضا، وأم ديبو المعروفة عند جميع نساء الحي وهي تمارس الطب الشعبي و”الحجامة” ومريم التي تمثل الجيل الجديد في طموحاته وما يعيشه من متغيرات، ويمكنني أن أذكر أم بركات التي امتهنت تغسيل الموتى.

وانتهى عدد من أبناء الحي إلى مصائر مأساوية، فالأستاذ خميس مدرس اللغة العربية، اختفى منذ اعتقاله، وخلدون الشاب الجامعي الذكي الذي رحل إلى الجزائر للعمل معلما فيها، غاب هو الآخر، وحين عاد، وجد كل شيء قد تغير، فمات متجمدا في مقبرة الحي، ولم يكن معه سوى حقيبة سفر فارغة، وانتهى محمود بعد كل مغامراته، نهاية فاجعة، أما الجميلة فتحية فقد انتهت إلى البغاء والجنون، حتى بعض من كان يمثل حالة إيجابية، انتهى إلى الضد منها، فالخوجة عزيزة انتهت إلى احتراق بيتها ولم يجدوا جسدها، ومريم إلى العنوسة والاكتئاب، وانتهى الرسام سامي إلى الانحراف.

يبقى القول إن الرواية تستعيد الكثير من يوميات الحياة في حي الكلاسة وتقاليده الاجتماعية، فالقريب الثري لا ينسى قريبه الفقير ويأتي له مع كل عيد بمبلغ من المال، ليستعين به على متطلبات العيد وكسوة الأبناء، وتتبادل البيوت الطعام وبخاصة في شهر رمضان لتتساوى الموائد في ما تتوفر عليه من طعام وشراب، ويهبّ الجميع رجالا ونساء، إلى نجدة من يتعرض لحال يحتاج فيها إلى الدعم، ماديا ومعنويا، وفي حفلات الزواج التي طالما تمت بين عائلتين من الحي، تشارك العوائل الأخرى في جميع المراحل التي يمر بها الزواج، فما هو خاص بالرجال، يشارك فيه الرجال، وما هو خاص بالنساء، تشارك فيه النساء، فهو عرس الجميع وليس عرس عائلتين فقط، وتذكر الكاتبة أدق التفاصيل عن طقوس الزواج بما فيها الأغاني والأهازيج والرقصات، وفي الأعياد يجتمع الأقارب في بيت واحد لأحد منهم، بعد أداء الواجبات الدينية والاجتماعية، فيتناولون الطعام ويجددون تواصلهم ويتجاوزون ما بينهم من خلافات.

كما تعيدنا إلى شهر رمضان قائلة “تتبدل الحياة في رمضان عن بقية الشهور في الأحياء القديمة التي ما زال أهلها يعيشون رائحة الأجداد وطقوسهم، حيث يفيقون على صوت المسحراتي الشجي والطبلة الصغيرة التي ينقر عليها بإيقاع ناعم”.

ثم تقول “غالبا ما تتبرع الحاجة أم ديبو بإيقاظ من لم يفق على صوت المسحراتي، طلبا للثواب، تدق الأبواب ولا تنزل يدها السمينة عن سقاطة الباب حتى يأتيها صوت: يعطيك العافية يا حاجة” .

وتنهي روايتها بنبوءتين، الأولى؛ سيأتي زمن يتراجع فيه المدّ عن جزره ويغمر المدينة ماءٌ مالح. والثانية؛ إن الكنز المدفون منذ آلاف السنين، بين الماء والكلس، سيظهر ذات يوم ليعمّ الرفاه وينعم الناس بالثراء.

14