الكاتبة العمانية شريفة التوبي: العاطفة المحرك الأول لكتابة أي نص أدبي

القاصة العمانية ترى أن المرأة الكاتبة اليوم تعيش هموم أمتها العربية وهموم عالمها المتناحر، لقد تجاوزت ذلك العبء العاطفي لتتلبس عبئا أكبر، عبء هذا العالم بكل ما فيه من قتل وموت ودمار.
الثلاثاء 2019/09/03
شريفة التوبي: نحن في زمن متغير والمرأة تغيرت ولم تعد كما كانت سابقا

تنفتح الثقافة العمانية بهدوء شديد على العوالم المحيطة بها، ورغم خفوت المنابر الإعلامية إلا أن المثقف فرض نفسه في العديد من المنابر والمحافل مؤكدا على أن الإبداع ليس بروباغندا يتسلّقها المدعون، وإنما هي مشاركة حقيقية للمجتمع المحلي قبل الانطلاق للعالم العربي والعالمي. في هذا الحوار نفتح مع القاصة والكاتبة العمانية شريفة التوبي بعض النوافذ على المشهد العماني.

 تشتمل مجموعة “عين السواد” الصادرة مؤخرا عن دار سؤال على خمسة عشر نصا قصصيا، وقد أتى العنوان من اسم المكان الذي دارت فيه أحداث القصص، وهي حارة عين السواد. ومعظم ما جاء في القصص يرتكز على حكايات حقيقية، سمعتها الكاتبة من جدتها وجدها، فأعادت صياغتها وفق متطلبات الاشتغال السردي وشروط الكتابة الأدبية.

تقول التوبي عن ذلك “أغلب الأحداث في تلك القصص ليست سوى خيالا، لا يربطه بالواقع إلا الفكرة التي بنيت عليها أحداث القصة، والمكان في عين السواد بطبيعته وتاريخه ملهم للكتابة، ففي كل درب من دروب تلك الحارة حكاية، حتى ساقية الفلج لو جلست بالقرب منها ستحدّثك عن النساء اللواتي كن يحملن ‘الجحلة’ على رؤوسهن وهن متجهات إلى فرضة الفلج ورائحة البخور والياسمين تعطّر الدرب”.

زمن متغير

لا تتفق التوبي مع الرأي القائل إن معظم نصوص الكاتبات العربيات مشغولة بالهم العاطفي، فالجميع (رجل أو امرأة) يكتب بمحبة وبعاطفة صادقة. وتعتقد أن الكاتب كائن عاطفي وحسّاس وتطغى عليه عاطفته ويتعامل مع الأشياء والأفكار بعاطفة وإحساس كبيرين، فالعاطفة -برأيها- هي المحرك الأول لكتابة أي نص أدبي.

تقول “لا يوجد نص سردي مجرّد من حكاية حب حتى لو كان نصا سياسيا، والكتابة العاطفية ليست حكرا على المرأة، فأجمل وأعذب قصائد الحب والهجر والعذاب كتبها شعراء رجال، وأجمل حكايات الحب سردها كتّاب رجال، قد تغلب على المرأة اللغة العاطفية بحكم عاطفة الأمومة لديها، ولكن ليس إلى درجة الغرق في الرومانسية، نحن في زمن متغير والمرأة بشكل عام تغيرت من الجانب النفسي والسيكولوجي والعاطفي، لم تعد هي المرأة التي كانت عليه في السابق، وينطبق ذلك على المرأة الكاتبة، فلم تعد العاطفة هي الهم الأول للمرأة الخليجية في كتابتها ونصوصها”.

حكايات حقيقية
حكايات حقيقية

وتضيف “المرأة الكاتبة اليوم تعيش هموم أمتها العربية وهموم عالمها المتناحر، لقد تجاوزت ذلك العبء العاطفي لتتلبس عبئا أكبر، عبء هذا العالم بكل ما فيه من قتل وموت ودمار، فلو بحثت عن تلك الرومانسية في كتابات المرأة فربما لن تجدها. شيء فينا تغير كما تغير كل شيء في هذه الحياة”.

ترى التوبي أن جميع الكتاب يتجهون إلى كتابة الرواية، فالجميع -بحسب تعبيرها- يريد أن يكتب رواية حتى يسجل اسمه في قائمة الأدباء.

تقول “هناك كذبة أو شائعة ثقافية حتى في الوسط الأدبي مفادها أنك إن لم تكتب رواية فأنت لم تكتب شيئا ولن يتم الاعتراف بك كاسم أدبي، وكأن الأدب بكل ما فيه من فنون ليس أكثر من رواية، رغم أن القصة القصيرة مازالت حاضرة ومازالت آسرة، ومازال هناك من يكتبها بجمال وعشق، وهناك من يبدأ قاصا وينتهي راويا، لكنني لا أعتبر القصة القصيرة هي العتبة الأولى للكاتب أو الأديب للوصول إلى الرواية التي يراها البعض في قمة الهرم الأدبي، فالقصة فن أدبي مستقل بذاته، له خصوصيته وشروطه الفنية وقواعده السردية، فهي ليست بالسهولة التي يتوقعها البعض، بل هي أصعب من الرواية، فتكثيف الفكرة أشد صعوبة من كتابة تفاصيلها، فما تكتبه في خمسمئة صفحة بالرواية عليك أن تكتبه في صفحة واحدة في القصة القصيرة”.

تكتب التوبي عمودا أسبوعيا بعنوان “وتر” في جريدة عمان، وعمودا ثابتا في مجلة العين الساهرة، وفي مجلة المجتمع والقانون، كما نشرت نصوصا أدبية متنوعة في الملاحق الثقافية في جريدة عمان وجريدة الزمن وجريدة الوطن.

هذا الحضور دفعنا للتوقف معها حول رأيها في حرية الرأي والتعبير في ما يخص الصحافة العمانية، لاسيما بعد القضايا التي لامست حق التعبير لبعض الكتاب العمانيين.

تقول التوبي “في ظل الأزمة الراهنة التي يعيشها مجتمعنا العربي بشكل عام تظل هناك بعض المحذورات حتى في الكتابة، ربما في عمان لم تصل بنا المعاناة إلى ما وصلت بغيرنا في دول أخرى. لدينا حرية تعبير بما يكفل عدم المساس بحرية الآخر، وفي حدود عدم الإساءة للآخر بغض النظر عمن يكون هذا الشخص أو صفته السياسية أو الاجتماعية، نحن وكما هو معروف عنا مجتمع مسالم، يميل إلى الهدوء ويتجنب الفوضى وخلق الأزمات حتى في الكتابة، وإن اختلفنا مع الآخر في فكرة أو قضية فذلك لا ينسف الود بيننا، وإن حدثت بعض الاستثناءات أو الشذوذ عن هذه القاعدة، فلكل استثناء ظرفه وأسبابه”.

وتتابع “لا أدّعي المثالية أو الفضيلة في مجتمعي، هناك ضغوط يعاني منها الكاتب في كل مكان، وقد تكون الضغوط المجتمعية أكبر من الضغوط السياسية، فالمثقف واقع بين سندان المجتمع ومطرقة السياسة، فهو لا يمكن أن يحلّق مع السرب ولا يسير مع القطيع ولا أن يصفق في محافل التصفيق، لا يمكن أن يكون طبّالا في حفلات الرقص، دائما للمثقف رأيه المختلف، وما أكثر الذين دفعوا ثمن اختلافهم وضريبة أفكارهم،”.

تطور شامل

التوبي: المثقف هو جزء من هذا المجتمع
التوبي: المثقف هو جزء من هذا المجتمع

توضح كاتبتنا بأنه ليس هناك أصعب من تغير الأفكار، وسلطنة عمان قبل السبعينات من القرن الماضي عانت من عزلة ثقافية واجتماعية نتيجة للظروف السياسية التي كانت تعيشها البلاد آنذاك.

تقول “بعد النهضة الحديثة وبعد الانتعاش الاقتصادي والقفزة المادية التي عاشتها السلطنة كونها دولة بترولية، أصبح لا بد أن يتساوى التطور الاقتصادي مع التطور الاجتماعي، وقد ساهمت الأقلام بدور كبير في تغيير الكثير من الأفكار القديمة، والتخلص من بعض العادات التي كان يمارسها المجتمع عن جهل أحيانا، ولكن لأن المثقف هو جزء من هذا المجتمع فهو مشبّع بثقافته وأفكاره ومعتقداته، لذلك تجد أن معظم النصوص المكتوبة في فترة السبعينات والثمانينات كانت غارقة ومرددة لتلك المعتقدات”.

في سؤالها عن فوز مواطنتها جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر، وإلى أي حد سيدفع هذا الفوز بالمشهد السردي العماني، تجيب التوبي “ليس غريبا على جوخة الحارثي هذا الفوز، فقد فازت روايتها نارنجة من قبل بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عام 2016، ولقد توقعت وتمنيت فوزها منذ أن وصلت روايتها للقائمة القصيرة في جائزة مان بوكر الدولية، إنه فوزنا جميعا، ولأنها أول شخصية عربية تفوز بهذه الجائزة فهو فوز للأدب العربي أيضا. وفوز ‘سيدات القمر’ كرواية لأديبة عمانية سيفتح الأبواب التي كان يظنها الأديب العماني مغلقة في وجهه، فقد أخبرت هذه الرواية بفوزها كل من لم يكن لديه خبر أو عِلم أن هناك أدبا في عمان يستحق أن يُقرأ ويستحق أن يُلتفت إليه، والأدب العماني ليس حديثا، بل لعمان تاريخ أدبي كبير بحكم حضارتها وتاريخها الممتد عميقا في كتب التاريخ والأدب”.

16