الكاتب أولا وثانيا وثالثا.. ثم يأتي النص

الجمعة 2016/10/28

ظاهرة لافتة في كتّاب المقالات والمتابعات النقدية لأحدث الإصدارات الأدبية على اختلاف أنواعها، هي ظاهرة عربية بحتة تغزو الصحافة الثقافية والمنابر على اختلافها، ظاهرة التعامل مع النص وفق ماهية كاتبه، وفق جنسه امرأة أو رجلا، وفق مكانته الاجتماعية ، يحوصل ذلك في سلة الخدمة التي يمكن أن يقدمها صاحب الكتاب لصاحب المقال.

لا ينظر في الوطن العربي إلى النص كنص أدبي بمعزل عن كاتبه، على الأقل في نظرة أولى، حيث تحدد قيمة النص سواء كان رواية أو مجموعة قصصية أو شعرية أو غيرها، من خلال ماهية صاحب هذا النص، وهذا ما يشترك فيه النقاد والناشرون ومنظمو التظاهرات الأدبية على حد السواء.

نرى مثلا المئات من الكاتبات والشاعرات اللواتي يصدرن مجاميعهن بين الحين والآخر، حيث يمكن لأي قارئ بسيط أن يعي أن النصوص التي أمامه مشكوك في قيمتها اللغوية والجمالية والفكرية، لكنهن يحظين بـ”رفقة نقدية” أو بالأحرى بطابور مهلل من “النقاد” الذين يصنعون منهن ظواهر شعرية لافتة من خلال متابعات بكلام فضفاض لا علمية له ولا انطباعية، بل هو من نوع الصالح لكل قياس.

وبهذا ينتشرن بين الصفحات الثقافية وفي التظاهرات الأدبية، على ندرتها، كل ذلك كان منبته تمييز جنسي، أو لنبسط الأمر نظرة جنسية من قبل “ناقد” إلى جسد أنثى لا إلى نص أدبي .

المنفعة هنا قد تكون حتى كلمة ثناء من قبل “الأنثى” لـ”الناقد” الذاهب به العمر إلى أقاصيه.

لذا فالكاتبة الأجمل جسديا هي الأكثر نجاحا أدبيا وبإمكانها النشر بسهولة والشهرة كاسم لا كنص.

هناك تمش آخر لحظوة أخرى لدى “النقاد”، ألا وهو سؤال محوري يسأله الناقد قبل كتابة أي سطر عن كتاب: ماذا سيقدم لي صاحب الكتاب؟

إذا كان صاحب الكتاب المنشور محصلا لمكانة ما مادية كانت أو سياسية، أو إذا كان أحد منظمي المهرجانات أو من النافذين إعلاميا، فستلتفت إليه أقلام “نقاد الحاجة” الذين يتهافتون كالعادة بحقيبة جملهم الجاهزة واستشهاداتهم الجاهزة من بعض الكتب التي خبروها من النقد الغربي، يشحذون لعابهم لما سيأتي مقابل كتابتهم قبل الكتابة، ثم يشرعون في نفخ هذا الكاتب حتى يرسخ في الساحة الأدبية، لا مثيل له، حيث يكون النص مجرد ممر لمعاملات أخرى تدر ربحها.

هناك نوع آخر من تهافت النقاد، ألا وهو تهافتهم على الكتاب الأكثر رواجا وشهرة. ولنا أن نفهم هذا، فبما أن دور النقد والناقد قد تراجع بشكل مخيف، ولم يعد هؤلاء النقاد في صدارة المشهد الأدبي إذ لم يطوروا نظريات خاصة ولم يواكبوا حركة مجتمعاتهم وبالتالي حركة الأدب الذي تنتجه كتاب مجتمعاتهم، لذا يسعى هؤلاء النقاد إلى إثارة الغبار عن أسمائهم بتناول كل الأسماء الأدبية أو القضايا الرائجة في آنها.

مثلا كاتب حاز منشوره على شهرة عند القراء، والأمر هنا لا يستحق وساطة بوجود الإنترنت التي خلقت علاقة مباشرة بين الكاتب وقارئه، يتهافت عليه النقاد إما نفخا ليحاولوا اللحاق بهذا الركب وإما بشكل سلبي في محاولة تدميرية للقارئ والكاتب اللذين تخليا عنه، لكن في كلا الحالتين لا تدخل ذائقة الناقد والنص الأدبي في الاعتبارات الأولى.

الأمثلة مازالت كثيرة، لكن لنحوصل الأمر، نعود لنؤكد أن ما يأتيه الناقد هو نفسه ما تأتيه دور النشر ومنظمو التظاهرات الثقافية والأماسي والجوائز الأدبية، حيث مازالت الساحة الأدبية العربية ترزح تحت كم هائل من العقد أهمها عقدة الذكورية والنسوية، وعقدة التكسّب والمصلحة الضيقة، بينما أدب مهم يكتب اليوم لا يلقى ولو منفذا صغيرا ليمسك يد النقد وينفذ إلى نور النشر وطريق التجربة. فيه من يموت وفيه من يستمر في المجهول.

شاعر من تونس

14