الكاتب إنسان وحيد يحتاج إلى الآخرين ليبدع

أسئلة كثيرة ترافق النص الأدبي، منها مثلا: كيف تكون لحظة ميلاد هذا النص وخاصة الجانب الروائي منها؟ كما نتساءل عن لحظة اندلاع الشرارة الأولى واتخاذ الكاتب لقرار البدء بعمل روائي جديد. وقد طرحنا عددا من هذه الأسئلة على عدد من الكتّاب في محاولة لفهم كنه اللحظة الفالتة التي لا يمكن حصرها، لحظة تتخذ لها أشكالا لا نهائية تتغير وتتشابه وتتناقض بين كاتب وآخر.
الجمعة 2018/03/02
الكتابة وأسرارها (لوحة للفنان علي رضا درويش)

أحمد مروان
القاهرة - لا اختلاف على أن لحظات الكتابة الأدبية وخاصة منها الروائية مفعمة بالغموض والتوهّج في حياة كل كتاب، حيث تأتي الكتابة بطقوسها الحميمة، في لحظات نشوء الرواية وتشكلها الأوّلي الذي يختلف باختلاف الكتاب، لأنه شكل من أشكال الحياة.
يقول الروائي محمد جبريل “الكتابة فعل اكتشاف، أرفض التصور بأن الكاتب يبدأ روايته وهو يعرف تماماً صورتها النهائية، فالرواية تكتسب ملامحها وقسماتها أثناء ولادتها، وقد يأتي المولود في صورة غير التي كان يتوقعها الفنان، وربما غير التي أرادها”.

انزياح الأفكار

يؤكد جبريل أن الرواية تخطر له أولاً كفكرة لكنه أثناء الكتابة لا يسيطر على هذه الفكرة بصورة مطلقة، فهو يترك للعمل تلقائيته، وقد جعله ذلك يستغرق ثمانية أعوام في كتابة رواية “الأسوار” بينما روايته عن “المتنبي” ألحت فكرتها عليه فعكف عليها وانتهى منها في أسابيع، والكثير من روايات جبريل يبدو فيها البطل واضحا، مسيطراً، لا يفارقنا منذ بداية العمل إلى نهايته.
 وثمة تشابه بين الشخصيات في أعماله وهو يرجع ذلك إلى كون الشخصيات أو معظمها تعبر بدرجة أو بأخرى عن شخصية الكاتب نفسه، ويعتبر التاريخ من أهم المؤثرات على ولادة الرواية عنده فهو يقول إنه يستعيد التاريخ لإضاءة أحداث معاصرة وقد فعل ذلك في كل رواياته التاريخية مثل “إمام آخر الزمان” و”قلعة الجبل”.
يقول الروائي محمود الورداني إن الرواية عنده ولدت من الحرب، فقد بدأ كاتباً للقصة القصيرة ولم يشعر بإلحاح كتابة رواية حتى تكشفت له نتائج حرب 1973 التي اشترك فيها عسكرياً مجنداً بعد تخرجه، كان العمل الذي أسند إليه هو الاشتراك في تسلم الشهداء من المستشفيات وتسليمهم إلى مقابر الشهداء، فكتب الرواية عنهم ليقضي معهم وقتا أطول -كما يقول- والرواية عنده تولد دائماً كقصة قصيرة وقد حدث ذلك في رواياته جميعا: “نوبة رجوع” و”رائحة البرتقال” وغيرهما.
وتعتبر الروائية هالة البدري أن السؤال عن طقوس ولادة الرواية سؤال صعب مثل السؤال عن ماهية الكتابة ورغم ذلك تحاول الإجابة، فتقول “الكاتب مهما عرف من بشر فهو إنسان وحيد؛ وحدة من نوع خاص، لهذا فهو يحتاج إلى عالم آخر ثري يتخيله ويعيد صياغته، عالم يعرفه أكثر مما يعرف البشر الذين يعيشون فيه.

الكتابة فعل اكتشاف لذا لا يبدأ الكاتب روايته وهو يعرف صورتها النهائية، فالعمل الروائي يكتسب ملامحه أثناء ولادته

 ومن هذه الوحدة تولد الرواية، وقد اخترت موضوع روايتي الأولى ‘السباحة في قمقم‘ عن عالم عرفته وأحببته وهو عالم الرياضة، فهي رواية النمو والاكتشاف، إذ هناك فريق من أبطال السباحة يتصور أن حدود العالم هي حدود النادي ثم تأتي حرب أكتوبر لتغير هذه المفاهيم، أما في رواية ‘منتهى‘ فقد خططت جيداً وأعددت ملفات لكل شخصية ثم كتبت أشياء وأحداثا أخرى غير التي خططت لها، ولم تكن الملفات والتخطيطات إلا مادة خاما أوّلية”.
الروائي إبراهيم فرغلي يقول “أذكر أنني قضيت سنوات طويلة في البحث عن وسيلة لبدء كتابة رواية مختلفة، بعد تجربة طويلة نسبيا في كتابة القصة، وأعتقد أنني خلال التطورات التي كنت أحاولها في بداياتي القصصية كنت أختبر قدراتي اللغوية من جهة، وأختبر خيالي، ثم أختبر رغباتي السردية. 
والنتيجة تجسدت في وقوعي على صيغة بناء عالمين متوازيين ثم إيجاد رابط ما بينهما، وبهذه الوسيلة استطعت أخيرا الاستمرار في كتابة روايتي الأولى ‘كهف الفراشات‘ والتي بدأت بالطريقة التي بدأت بها أغلب أعمالي اللاحقة أيضا، إذ عادة ما تكون لديّ قصة تبدو واقعية على نحو ما، أشرع فيها، فيما أترقب عصف الفانتازيا بما تقترحه من عناصر خيالية وعجائبية”.
ويضيف فرغلي “كنت واعيا من البداية لفكرة التجريب الروائي. لم أرغب في كتابة رواية واقعية تقليدية، بقدر ما انشغلت بالبحث عن شكل جديد للرواية، أو ربما عن أسلوب جديد للسرد، وهكذا، اخترت في ‘كهف الفراشات‘ المزج بين تفاصيل حياة أو خبرة شاب يعاني من فشل علاقة عاطفية فيرحل إلى شرم الشيخ للاستشفاء والنقاهة، وفي مستوى آخر يتوازى بالتتابع تناولت أحداث رحلة شخص آخر إلى عالم غامض في كهف مجهول الموقع”.

البذرة الاولى

أما الكاتبة منصورة عزالدين فترى أن عملية الكتابة تختلف من عمل لآخر، ففي الغالب يبدأ الأمر بمشهد بصري مخاتل ومبتور، وأحياناً بشخصية تتحرك على خلفية معينة، ولا تتضح الأفكار إلا خلال عملية الكتابة، وأحياناً بعد قطع شوط لا بأس به في الكتابة.

الأفكار في النص الأدبي لا تتضح إلا خلال عملية كتابة الرواية، وأحيانا بعد قطع شوط لا بأس به في الكتابة

وتقول عزالدين “اسكتشات المشاهد الأولى تكون مرتجلة ومرتبكة وثرثارة، لكن مع الوقت وحين أضع يدي على بداية خيط سردي ما، يصبح الأمر أسهل. البذرة الأولى لجبل الزمرد أتت من ذكرى قديمة جداً، حين أضعت وأنا طفلة في الخامسة أنا وأختي الكبرى الخاتم المفضل لوالدتي، كان خاتماً ذهبياً بفصوص خضراء براقة، وأنا واثقة تماماً أن أختي لا تتذكر هذه الحادثة الآن، وأنا نفسي أكاد أشك في حدوثها أصلاً لفرط قدمها وخفوتها في ذاكرتي. هذا ما أحبه في الكتابة؛ أنها تفاجئ الكاتب بالكامن في لا وعيه، كما تستهويني فكرة كيف يمكن الانطلاق من تفصيلة عابرة جداً، لتشييد عمل خيالي مفارق لبذرته الواقعية”.
ويرى الروائي مصطفى البلكي، الفائز مؤخرا بجائزة بهاء طاهر للرواية عن روايته التاسعة “ممرات الفتنة”، أن الحياة تبدو دائما وكأنها عرض مستمر، شريط متصل له نقطة بداية ونقطة نهاية، وبينهما التفاصيل الكثيرة التي لا نستطيع أن نهملها، ولا أن نتجاوزها، وكل استراحة في تلك المساحة هي بمثابة عملية تحليل دقيقة قد تشملها هي فقط، أو تكون نقطة ارتكاز، ومنها ننطلق للأمام أو للخلف، لنكوّن عالما يشبهنا، أو نتمناه، أو نحلم به، وتلك الولادة تكون قدرية بمعنى من أوجدها هو وحده المتحكم في مسارها لا ولادتها.
ويقول البلكي “البداية دائما غير خاضعة بشكل كلي لذات الكاتب، ولا يشملها أي قدر من التوجيه، وتظل محافظة على صفاتها حتى آخر كلمة، تتحكم في البداية وفي مصائر الشخصيات، والوقت الذي يتم فيه البدء في تشكيل هذا العالم لن يكون إلا بعد أن يمرّ المبدع بثلاث مراحل، الإدراك، التأمل، المعرفة، وكل هذه المفردات تؤدّي إلى وضوح الرؤية”.
ويضيف البلكي “لكل عمل شرفة تفتح على البراح، فأطل منها، لأشاهد ما يدور، قد تكون البداية كلمة، أو جملة لشخصية من الشخصيات التي اكتملت، وأصبحت حاضرة معي في كل تحركاتي، أكلمهم، وأقيم لهم سرادقا كبيرا يجلسون فيه، ويتم بينهم ما يشبه التشابك، حتى إذا ما بدأت جلست كل شخصية في المكان الذي تحبّه”.

15