الكاتب الأميركي ستيف سيلبرمان يفوز بجائزة صامويل جونسون

في إعلان متوقع لدى عامة النقاد فاز كتاب “قبائل عصابية: إرث التوحد ومستقبل التعددية العصابية” للكاتب الأميركي ستيف سيلبرمان بجائزة صامويل جونسون، وهي أكبر الجوائز البريطانية في مجال النثر الواقعي، متفوقا على كتاب السيرة “تيد هيوز: حياة غير مجازة” للكاتب جوناثان بيت و”معالم” لروبرت ماكفارلين و”الإنسان رباعي الأبعاد” للورانس سكوت و”الكشف: آمال عريضة وفرص مهدورة في العراق” لإيما سكاي و”هذه الجزيرة المقسّمة: قصص من سيريلانكا” لسمانث سوبرامينيان.
الأربعاء 2015/11/04
أطفال التوحد ليسوا نتيجة للتربية الباردة المجردة من العاطفة

أشادت لجنة تحكيم جائزة صامويل جونسون بكتاب “قبائل عصابية: إرث التوحد ومستقبل التعددية العصابية” للأميركي ستيف سيلبرمان، الذي نال الجائزة أخيرا، لأنه يتسلح بمنظومة من المعتقدات التي يدافع عنها بقوة خلاقة، ولبثه “نبرة آملة في حوار لا يسوده في المعتاد إلا اليأس”.

لا ريب أن فوز الكتاب مستحق، إلا أن اللجنة اختلفت بشدة حول أهلية المرشحين. وقد اتخذ المحك الأخير صبغة المسؤولية الاجتماعية، معتمدا على تجاوز أنماط الأنواع النثرية أولا، وثانيا على تأثير أوسع سوف يخلفه الفائز على المجتمع والعالم.

ترأست اللجنة هذا العام المؤرخة الأميركية آن أبلباوم، الحائزة على جائزة بوليتسر، وإيما دنكان، رئيسة تحرير مجلة “إنتيليجانت لايف”، وسوميت بول-تشودري، رئيس تحرير مجلة “نيو ساينتست”، ورنا ميتر مديرة مركز الصين بجامعة أكسفورد وتيسا روس الرئيسة التنفيذية السابقة للمسرح الملكي القومي.

والجدير بالذكر أن قائمة الفائزين بالجائزة، منذ تأسيسها، تضم مجموعة من الكتاب المرموقين، من بينهم أنتوني بيفور عن كتاب “ستالينغراد”، وفيليب هو عن كتاب “لوياثان أو الحوت” وغيرهم.

لا للشيطنة

كان طبيب الأعصاب البريطاني أوليفر ساكس قد أشاد بكتاب سيلبرمان باعتباره “تاريخا شاملا وثاقبا للتوحد، مكتوبا بتعاطف وحساسية نادرين”. ويُعتَبر الكتاب دراسة رائدة مفعمة بالأمل، تناقش تحولات علمية واجتماعية طرأت على اضطرابات التوحد عند المتوحدين، وتدعونا إلى أن نتناول هذه الظاهرة “بذكاء الذين يفكرون بطريقة مختلفة”.

والكتاب الفائز ينتهج عددا من التقنيات النثرية، نابشا جذور القضية من زوايا عدة، ولا يخرج البحث في صورة كتاب علمي عن التوحد، بل هو بحث عن العقل البشري ونظرتنا إلى أقراننا المختلفين عنا مرضيا، واجتماعيا، وعرقيا، لينادي بنموذج حياتي يتقبل الآخر دون شيطنة أو أحكام أخلاقية.

مقاطع من الكتاب

حاولوا أن يبرهنوا على أن الغذاء والرعاية الطبية ليسا حقا مكتسبا لجميع البشر، ولكنهما يُكتسبان كما ينبغي بعد القيام بعمل منتِج.

وصفوا المعاقين بأنهم يعيشون حياة “لا تستحق الحياة”، ورموهم بأنهم “آكلون عديمو الفائدة” و”صَابورة بشرية”، يستهلكون الموارد الثمينة دون سداد ديونهم إلى المجتمع.

وقد ادّعى هوخ وبيندر أن إنهاء حياة هؤلاء “القشور البشرية الفارغة” -غير الواعين حتى بما ألحقوه بالآخرين من بؤس- لم يكن عملا مفيدا اجتماعيا فحسب، وإنما أشدّ السلوكيات رحمة نظرا لظروفهم.

يجب أن ينصَبّ هدفنا العلاجي على تعليم الشخص كيفية تحمل ما يجابهه من صعوبات. لا استئصالها نيابة عنه، ولكن تدريب الشخص على التعامل مع التحديات الخاصة بالاستعانة باستراتيجيات خاصة؛ وجعل الشخص مدركا لمرضه، وكذلك لمسؤوليته في حياته.

لقد كان بطل الخيال العلمي هو العلم نفسه، قاهر قوى الظلام الملوثة باللاعقلانية والجهل. ومع التأييد الشفوي لفكرة التسامح بينما طفق أنصار تحرير المثليين يتظاهرون في الشوارع، اقترح لوفاس وريكرس أن “المجتمع قد يستطيع أن يغدو أكثر تسامحا مع أفراد منحرفين في أدوارهم الجنسية”، ولكنهما أصرا أن “الحقيقــة تظل أنه ليس متسامحا.

والواقع هو أن تعديل سلوكيات المجتمع أصعب على الأرجح من تعديل سلوكيات كريج”، وللقضاء على سلوك غير ملائم يندّ عن كريج الصبي الصغير، ابتكرا برنامجا يقوم على الانغماس الكلي اتكالا على نتائج لوفاس حول التوحد.

وهذه المرة، بدلا من الرفرفة بالأيدي والنفور البصري والترديد المرضيّ لما يقوله الآخرون، تضمنت السلوكيات المستهدف إبادتها “المعصم الأعرج”، “وقفل اليد” الصاغر، و”المشية المتخنثة” سيئة السمعة، و”التمدد المفرط” الخليق بالبنات للأوصال في لحظات الحماسة، والعبارات المتزمتة من قبيل، “رباه” و”يا للهول”!

تعرِّف الدراسات الجينية والعصبية التوحد بأنه “صعوبات مستمرة في الاستخدام الاجتماعي للتواصل اللفظي وغير اللفظي، في صورة أنماط مقيدة ومكررة من التصرفات والاهتمامات والأنشطة” و”رغبة وسواسية في الحفاظ على تماثل الأشياء”. كلمة Autism، أي التوحد، مشتقة من الكلمة اليونانية Autos، وتعني النفس، دلالة على وحدة المريض المفرطة وتقهقره إلى عالم باطني مجهول.

كان مرضى التوحد في مستهل القرن العشرين يودعون في مستشفيات المجانين، بينما قام النازيون في الثلاثينات والأربعينات بعمليات قتل منهجية لهم، أسموها “القتل الرحيم”. ولكن رياح التغيير هبت في تسعينات القرن الفائت.

وقبل عام 2000، لم يكن سيلبرمان يعرف عن المرض ما يزيد عمّا رآه في فيلم “رجل المطر”، بيد أنه أمسى عبر خمسة عشر عاما واحدا ممن حطموا المنظور المشِل للمرض، ولا سيما حين نشر تحقيقا في مجلة “وايرد” حول معدلات الإصابة بالتوحد في منطقة سيليكون فالي بكاليفورنيا.

التقى الكاتب بباحثين وأطباء وأسر المرضى لكي يهدي إلينا زادا من القصص والنوادر بطريقة أدبية وبلغة مميّزة. وإحدى غاياته محو فكرة بائدة شاعت في الخمسينات بأن أطفال التوحد هم نتيجة للتربية الباردة المجردة من العاطفة. كما انتقد سيلبرمان أيضا الأثر المرعب الذي أحدثه بحث أجراه الطبيب البريطاني أندرو ويكفيلد عام 1998، عندما ادّعى أن لقاحي الحصبة والنكاف قد يفضيان إلى التوحد.

سدد الكاتب كلمات قاسية لعبارة وينستون تشرشل، “لا ترسم الطبيعة خطا أبدا دون أن تلطخه”، مؤكدا أن الإعاقة هي في جوهرها حالة طبيعية، والمرضى ليسوا عالة أو “ملطخين”. ولم يتردد في فضح استغلال بعض الأطباء النفسيين وشركات الدواء للمرضى وأسرهم.

اللافت أن الكاتب اختار عدم عرض بحث بيولوجي محايد يتتبع تاريخ التوحد الحديث، وإنما أراد استقصاء أسباب وصمة لازمت المرض طويلا، مجتهدا في إزالتها، مستحضرا حالات كان فيها التوحد شكلا طبيعيا من أشكال الاختلاف المعرفي الملازم للعبقرية. ففي عام 1997، مثلا، اكتشف عالم النفس المعرفي سايمون بارون-كووين أن نسبة لا يستهان بها إحصائيا من آباء المتوحدين وأجدادهم مهندسون.

شوارع كارهة

لا يفوت سيلبرمان أن يتحرّى تغلغل الثقافة الشعبية التقليدية في نظرتنا إلى التوحد من خلال تفسير ظواهر اجتماعية بسيطة كلوحات الإعلانات الإلكترونية أو الإذاعية.

وكان أحد المصابين بالتوحد، يدعى جون إلدر روبينسون، قد صرح يوما في أحد المؤتمرات العلمية أن التوصيف التشخيصي غاية في الأهمية، فمن دونه “لن تبقى لنا إلا أوصاف نتلقاها من الشوارع الطافحة بالكراهية”.

لذلك نجد الكاتب يتأمل نقاط قوة المرضى دون تجاهل لنقاط ضعفهم الإنساني، محذرا إيانا من “مدّ خطوط حادة بين ما نفترض أنه طبيعي وغير طبيعي”. وفي هذا السياق يعزز منطق حركة “التعددية العصابية”، وهي فكرة قائلة بأن الإعاقات الإدراكية تعكس إرثا جينيا “طبيعيا”، يختلف، ليس إلا، عما هو شائع، “فلا يعني استعانة كمبيوتر شخصي بنظام غير الويندوز أنه معطل”. ولو افترضنا جدلا بأن التوحد، في صورة طفل انعزالي مرح، هو الشائع، ثم انطلقنا من منصة هذا العقل لنصف “الغير”، سوف نجد أن العقل البشري “العادي” سهل التشتت، مهووسا اجتماعيا، وتنقصه العناية بالتفاصيل.

يحثنا ستيف سيلبرمان على تقدير كل ما هو عقلي بشري منطو ومنكمش على ذاته، هذا العقلي الذي لا يمكن إنكار إسهاماته بدوره في عالمنا هذا، حيث باستطاعته أن يبذل المزيد في كل مرة، رغم ما نراه فيه من نقص لأنه غير عادي بالنسبة إلينا، ويحق هنا وصف رئيسة لجنة الجائزة آن أبلباوم للكتاب بأنه “إنجاز ألمعي في البحث الأرشيفي والصحافي والعلمي، في كل من مجال العلوم الطبيعية والشأن العام”.

14