الكاتب الإسباني سيركاس يكرس رواياته لشخصيات حقيقية

الحقيقة تعطي الكاتب خافيير سيركاس نفسا ملحميا ليصنع واقعا خياليا  من خلال رواية عن أبطال مخدوعين.
الجمعة 2018/10/05
الحرب لها وجوه يجب كشفها

إلى أن توفي الجنرال فرانكو عام 1976، ظلت الروايات التي  كتبها أجانب مراجع أساسية لفهم تراجيديا الحرب الأهلية التي عصفت بشبه الجزيرة الإيبيرية من عام 1936 إلى عام 1939. من بين هذه الروايات يمكن أن نذكر “الأمل” للفرنسي أندريه مالرو، و”المقابر الكبيرة تحت القمر” للفرنسي الآخر جورج بارنانوس، و”لمن تقع الأجراس″ للأميركي آرنست همنغواي. ولا ننسى أيضا الشهادة المؤثرة التي كتبها البريطاني جورج أورويل بعنوان “تحية إلى كاتالونيا” لكن تأخر الكتاب الإسبان في الكتابة عن هذه المرحلة الدقيقة. 

انطلاقا من الثمانينات من القرن الماضي، شرع  الروائيون الإسبان في التطرق إلى الحرب الأهلية التي عصفت بإسبانيا منتصف القرن العشرين، من جوانب مختلفة، كاشفين خفاياها وأسرارها، ومعرين عيوبها وكوارثها.

ويمكن اعتبار خافيير سيركاس المولود عام 1962 واحدا من أهم الروائيين الإسبان راهنا، الذين تناولوا بعمق فترة الحرب الأهلية. ورواياته التي ترجمت إلى أزيد من عشرين لغة، وأحرزت على جوائز عالمية رفيعة، نالت إعجاب كبار الكتاب من أمثال ماريو فارغاس يوسا، وكوتزي الحائزين على جائزة نوبل للآداب.

ما يتميز به خافيير سيركاس هو أنه اختار أن تكون شخصيات جل الروايات التي أصدرها إلى حد هذه الساعة حقيقية. لذلك هو يبحث في الأرشيف طويلا، ويستجوب الكثيرين قبل أن يشرع في كتابة الرواية. وهذا ما فعله في روايته الأولى “جنود سالمين” الصادرة عام 2001. وقد حققت له هذه الرواية التي حولها أحد المخرجين إلى فيلم نال إعجاب عشاق السينما في جميع أنحاء العالم شهرة عالمية.

بطل رواية “جنود سالمين”، وهي الوحيدة التي ترجمت إلى اللغة العربية، هو رافائيل سانشيز مازاس الذي كان كاتبا يمينيا من أنصار الجنرال فرانكو. وكان قد أسّس في بداية الحرب الأهلية الكتائب العسكرية التي لعبت دورا أساسيا في إلحاق هزيمة مرة بالقوات الجمهورية واليسارية. كما أنه كان مُقربا من خوزيه أنطوان ريفيرا الذي اختاره الجنرال فرانكو وزيرا أول في أول حكومة يمينية.

"ملك الظلال" رواية تطرح قضايا مهمة مثل قضية الوطن وهذا ليس اعتباطيا إذ أن الشوفينية عادت  لتكتسح أوروبا مجددا

وخلال الحرب الأهلية، ألقى الجمهوريون القبض على رافائيل سانشيز مازاس. وكانوا على وشك إعدامه رميا بالرصاص مع مجموعة من أنصاره إلاّ أنه تمكن من الفرار. وخلال الملاحقة، رآه جندي جمهوري متخفيا في غيضة إلا أنه لم يرغب في الإبلاغ عن مكانه. وهكذا نجا من موت محقق.

وقد أشاد ماريو فارغاس يوسا برواية “جنود سالمين”، معتبرا إياها شهادة على أن الأدب الحقيقي الذي يطرح قضايا كبيرة، لا يزال حيا في زمن طغت فيه الأعمال الأدبية السطحية الملبية لرغبات من يريدون أن يكون الهدف من القراءة هو التسلية فقط.

وفي روايته الأخرى “المحتال”، يتطرق خافيير سيركاس إلى خفايا سيرة أنريكو ماركو الذي اشتهر في مرحلة ما بعد فرانكو بمعاداته المطلقة لنظام هذا الأخير، ناسبا لنفسه بطولات في النضال ضد الفاشية، بل إنه ادعى عبر البرامج التلفزيونية التي كان يقدمها، وأيضا عبر المقالات التي كان ينشرها في الصحف والمجلات، والتي كانت تحظى بجماهيرية واسعة، بأنه أمضى سنوات في المعتقلات النازية. لكن سرعان ما كشفت التحقيقات التي أجريت أنه كان عميلا ومخبرا لنظام فرانكو.

في روايته الجديدة “ملك الظلال” الصادرة حديثا في ترجمة فرنسية عن دار “أكت سود”، يعود خافيير سيركاس إلى حياة واحد من أفراد عائلته. وهو يدعى مانويل مونا. وفي البداية لم يكن يملك سوى صورة له فيها يبدو باللباس العسكري، وسيما وعلى ملامحه براءة الشباب. بعدها شرع في استجواب أفراد عائلته، وأيضا شيوخ عاشوا فترة الحرب الأهلية.

ما يتميز به الكاتب خافيير سيركاس هو أنه اختار أن تكون شخصيات جل الروايات التي أصدرها إلى الآن حقيقية

وشيئا فشيئا انكشفت له حياة مانويل مينا. فقد كان في السابعة عشرة من عمره لما تأثر بالفاشي بريمو دو ريفيرا الذي وعد بـ”فجر جديد لإسبانيا”. لذلك لم يتردد في الالتحاق بالكتائب المناصرة للجنرال فرانكو، ليقاتل في صفوفها، مظهرا شجاعة مذهلة، معتقدا أن الموت في سبيل الوطن واجب لا بد من أدائه على الوجه الأكمل والأفضل.

ولم يكن مانويل مينا يعلم أنه لا يدافع عن الوطن، ولا عن مصالح الطبقة الفقيرة التي ينتمي إليها، بل عن أفكار فاشية زرعها فرانكو في نفوس أنصاره فباتوا مستعدين للموت من أجلها. وفي معركة دارت في “آبر” في الحادي والعشرين من شهر سبتمبر 1938، قتل مانويل مينا، وكان آنذاك في التاسعة عشرة من عمره.

وفي روايته المذكورة، يطرح خافيير سيركاس قضايا مهمة مثل قضية الوطن. وهو يقول إن طرح هذه القضية ليس اعتباطيا إذ أن الشوفينية عادت لتكتسح أوروبا مجددا، منذرة بعواقب وخيمة.

وفي الرواية يقول أحدهم “الوطن هو المكان الذي نحظى فيه بأول قبلة”. أما سيركاس فيعتقد أن مفهومه للوطن يتناقض مع المفهوم السائد. ولعله يكون قريبا من مفهوم سارفانتس الذي كان يعتبر الوطن قرية، أو حيا، أو مدينة صغيرة، وأمكنة يترك فيها الإنسان آثارا وذكريات. لذلك يمكننا أن نتحدث عن أوطان وليس عن وطن واحد.

ويرى خافيير سيركاس أن لجوءه إلى شخصيات حقيقية منحه نفسا ملحميا لكتابة الرواية بحيث يصبح الواقع متخيلا. ثم إن التاريخ يعيد نفسه بأقنعة مختلفة في كل مكان من العالم. وهو لا يعتبر الحرب الأهلية من الماضي، بل هي من الحاضر أيضا إذ أننا لا نستطيع أن نفهم أبعاد هذا الحاضر إلا بالعودة إلى الماضي لأن الحوار بينهما قائم دائما وأبدا.

14