الكاتب الإماراتي حارب الظاهري: الحزن ملح الأديب وزاده

من بين الأسماء الإماراتية، يذكر اسم الكاتب والشاعر حارب الظاهري من مواليد مدينة العين عام 1965، للإشارة إلى صفحات من الشعر والسرد. وما إن نقرأ له حتى يأخذنا معه في رحلة إلى واقع محتوم، ومستقبل قادم، مفترضا أن الأسوأ سيأتي، وهذا ليس تشاؤما لكن لأجل أن نستعدّ حتى نتجنب صفعة الصدمة، ساعيا نحو الإنسان العربي والإماراتي وفي أي مكان آخر، فالكتابة فعل لا يعرف الحدود حسب رأيه. “العرب” التقت الظاهري، وتواصلت معه حول تجربته الإبداعية وعن واقع الأدب في غمرة المتغيرات والصراعات، وفي عدة مواضيع أخرى فكان هذا الحوار.
الجمعة 2015/08/28
الوطن ليس ملاذا فحسب إنما هو ملاذ أبدي

صدرت للكاتب الإماراتي حارب الظاهري عدة مجموعات قصصية وأخرى شعرية، إلى جانب كتابته للرواية والمقال. تاركا بصمته الإعلامية في الوسط الصحفي المحلي، كباحث عن الروح عبر النثر. فقد استخدم الظاهري قلمه في كتابة القصة والشعر وأخيرا في كتابة الرواية، مؤكدا أن لكل حالة أو جنس أدبي فضاء ومدارا خاصين به، ما يسمح بالتقاء المدارات أحيانا أو افتراقها أحيانا أخرى.

وهكذا يجد الكاتب نفسه مرات مغموسا في القصة ليعبّر من خلالها عن موضوع ما، يناسب قالبها الفني، ومرات في الشعر وغيرهما من المجالات الإبداعية كالمقال أو الرواية.

اختفاء الدهشة

أثناء بحثه ككاتب وشاعر في خبايا واقعه، تراه يقول “اختفى مفهوم الدهشة من أيامنا. لكن الكتابة فعل مستمر لن يموت أبدا. وعلى الكاتب أن يرتقي بنفسه وبمن حوله وبالواقع إلى حياة أسمى وأجمل، مستندا إلى ما هو موجود من رؤى متجددة”.

ويضيف قوله “أما الماضي، فله وجوده عندما يشرّع الظاهري بالكتابة. فهو يصرّ على أن الحياة برمتها لا تخلق من لحظة، بل هي امتدادات تاريخية مشهودة، مبينا أن الحالات المرتبطة بالراهن هي ما يستحضرها الكاتب وليست لغة الماضي في حدّ ذاتها”.

كذلك يرى أن الحزن كيان يعشش في الذاكرة، ولولاه لما استطاع الكتابة. وهو أيضا الفضاء الذي يأتي منه الفرح.
نحن نتنفس في عالم رحب يعجّ بالمتغيرات والصراعات، والقراءة الآنية لا تنفع كثيرا

لكن وفي خضمّ ما نعيشه من أحداث دامية تصدح وتدوّي في عدة بلدان عربية، يرى أن توقّع الأسوأ هو الأجدى عند محاولة قراءة المعطيات وترجمتها بالورقة والقلم وهذا لا يندرج تحت عنوان “التشاؤم”. فنحن نتنفس في عالم رحب يعجّ بالمتغيرات والصراعات. لذا هو يطالب نفسه وغيره من الكتّاب بحالة من الاستشراف المسبقة، حيث أن القراءة الآنية لا تنفع كثيرا.

وربما هي نوع من المواجهة لواقع ينحدر نحو الأسفل، ما دعا إليه الظاهري وركّز عليه في روايته الأخيرة الصادرة قبل أسابيع “الصعود إلى السماء”. إذ اعتبر أن فعل الصعود أمر بديهي لدى جميع الكائنات، وحتى الأرض تحاول الصعود لقتل الفراغ. وهنا يعلّق بالقول “فعلا.. ثمة خيط وثيق يجمع ما بين كل الديانات.ويوضّح “إنها تسير جميعها نحو السماء وأن هدفها دوما الصعود، الأمر الذي يجعلها تختلف وتتصارع.

وفي روايتي أخذت الخيط من بداية ثمانينات القرن الماضي، حين قام عدد من المعممين ينتمون إلى بلدان مختلفة، ليزرعوا بذور الفتنة الدينية باسم الصعود إلى السماء. لكن بقليل من التفكير، ولو افترضنا أن اتجاهاتهم تحمل الخير للإنسانية، لكنّا نحيا في زمن أقل ارتباكا وأقـل جوعا وتمزقا”.

مفهوم الدهشة اختفى من أيامنا

نسأل الظاهري: هل يوجد ما لم تكتبه بعد؟ فيجيب: أشعر بأن “الصعود إلى السماء” لم تشبع رغبتي بما فيه الكفاية. وإن كانت هناك أجزاء قادمة أنا بحاجة حقيقية لكتابتها وتقديمها للمتلقي. كذلك فأنا سأقدم على ترجمة أعمالي إلى لغات أخرى، لأن العالم العربي يفتقر إلى القراءة الحقة.

الصعود إلى السماء

تتوزع أحداث رواية "الصعود إلى السماء" على 13 فصلا تحمل عناوين مختلفة في شكل مركبات إضافية أو نعتية تفتتح بمفردة السماء منها “سماء أولى، سماء ثانية، سماء الثمانينات، سماء مبهمة”، وذلك ضمن إطار من العلاقات الإنسانية، لتعبر في النهاية عن مقولات وأبعاد مختلفة تتراوح بين الفلسفي، والواقعي.

وكان الإماراتي حارب الظاهري قد كتب عن تجربته في “الصعود إلى السماء” زاوية رأي صحافية قال فيها “عنونتها الصعود إلى السماء، أو هذا ما يراود أبطال الرواية دون الإحساس الفعلي بيقظة الصعود، فمارس النص عليهم فعل السفر والصعود، وهم أسماء شاخصة في أماكن متفاوتة من العالم، ربما كانوا متقاربين أو متباعدين، أو هكذا كتب لهم الزمن الصاعد بهم إلى ملكوت السماء فكريا أو جسديا، فسائر المخلوقات تبحث عن هذا الصعود عبر الزمن، وليس عبر المسافة”.

في كلمة أخيرة يقول: الوطن ليس ملاذا فحسب. إنما هو ملاذ أبدي. ويحضرني الآن ما قلته لإحدى الصديقات وهي أميركية، عندما نصحتني بأن أجد بيتا خارج منظومة الشرق الأوسط نظرا للأحداث القائمة. حيث أجبتها ضاحكا “نحن في دولة الإمارات لا نعيش في وطن، وإنما الوطن يعيش داخلنا، فكيف لي أن أرحل عن وطن يسكنني؟”.

14