الكاتب الإيطالي أري دي لوكا يستعير صوت مريم العذراء

يشكل المقدس ونصوصه غواية لممتهني الأدب، فاللغة التي تحويها هذه النصوص هي أقرب إلى المشافهة، وتقنيّة الأناشيد بوصفها انتصارا للصوتي على حساب المكتوب، غواية لا يمكن ردّها، أما تقنية توظيفهما معا فتمتلك علامة تجنيس مختلفة عما نعرفه، إذ تختزن الشعري والأدبي والأسطوري والمقدس لتقدم صيغة كليّة بوصفها “سردا” ينتمي لما يخرق نواميس اليوم وسرده، فالمنحى الأسطوري الذي تمتلكه النصوص الدينية، يُكسبها هالة تجعلها تتربع على قمة الهرم الأدبي.
السبت 2016/04/09
مريم ورحلة معاناة عسيرة

مازلنا إلى اليوم نشهد الكثير من التجارب الفنية والأدبيّة لإعادة إنتاج الروايات المقدسة، أشهرها تجربة نيكوس كازنتزاكيس في الرواية، وبيير بابلو باسوليني في السينما. هذا العام صدرت رواية بعنوان “باسم الأم” للكاتب الإيطالي أري دي لوكا، نقرأ فيها حكاية مريم العذراء وتقلباتها بين لحظة الحبل الإلهي إلى لحظة الولادة البشريّة.

يبدأ دي لوكا قصة مريم بلحظة الإخصاب، “داعب الريح جنبها/ فك نطاقها وقذف النطاف في رحمها/ وجاءت الرعشة/ دون أن ترفع طرف ثوبها”، إذ يشير في البداية إلى أن الولادة تمت دون أي حضور بشري، فالملاك ألقى كلمة الرب، أما الولادة فكانت دون قابلات، لا حضور للبشري في لحظات الحلول الإلهي، فـ”باسم الأم” هي انتصار لـ”كفاءة الصبية الأم في عزلتها”، وهذه الرواية بالرغم من حضورها الرسمي في أنجيلي متّى ولوقا كتبت “لأجل مقاربة أكثر وضوحا”.

بداية المخاض

بعد الإخصاب، نقرأ في المقطع الأول من الرواية، الصادرة عن دار الجمل، ومن ترجمة نزار أغري، اعتراف مريم، بوصفه الخلاص الأول، اللحظة الحاسمة بين ما هو خطيئة/ زنا، وبين ما هو إلهي/ حبل بلا دنس، أما يوسف النجّار، فقد تردد في البداية، هو يخاف الرجم، سواء كان رجمه أو رجم “خطيبته” التي يحب، يسعى لخلاصها، يستند إلى النصوص المقدسة في سبيل براءتها، لكنه صدقها، الروح القدس حدثته وبشّرته، لكن في الخارج، مريم تعتبر زانية.

يوسف يسلّم بعفّة مريم وحقيقة مولودها، فالإلهي يتدخل ليرتقي بيوسف، جاعلا إياه يتجاوز صيغة الزوج والحبيب نحو صيغة أشدّ ارتباطا بمريم، المعاناة التي يتحمّلها والإهانات والرحيل عن أرضه كلها تهون، هو أداة للرب في سبيل تحقيق النبوءة.

شعرية النشيد

اللغة الشعرية العالية التي تحويها الرواية مستمدة من النصوص المقدسة، إذ يتماهى الكاتب مع شخوص الحكايات المقدسة لتكتسب هذه الأخيرة حضورا جديدا ووجهة نظر مغايرة، وبصورة أدق، كلمات جديدة، فالكلمة، وسَبب الحمل من ملاك، أساسها اللغة.

رواية الأنثى في مواجهة الذكورية الدينية

هي كلمات أُلقيت في رحم، فعادت نطافا تكوّن المولود الجديد، فالكلمة كانت خصوبة للبشري، وذات العلاقة مع الكلمة تنشأ مع التسميّة، الوسم/ الاسم الذي ستناله هبة الرب هذه سابق لوجودها المادي، فالاسم جاء في رؤية يوسف، أما رواية دي لوكا هي أقرب إلى نشيد طويل، إنشاد مقدس يبشّر بما هو آت، استعادة لشعرية الماضي المقدس لتفسير الآن، الفاني، المتناهي.

الرواية تحكي رحلة المخاض التي مرت بها مريم، معاناة أمّ يشكّك بعذريتها، فهي مدانة من الناموس الأرضي ومشرّفة من الإلهي، المفارقة التي يحملها الجسد تتضح بوصفه يحمل النقيضين، فهو حامل للخطيئة وحامل للخلاص؛ خلاص الجميع، لا الأم فقط، لكن دي لوكا وفي المقطع الثالث يصف ما بعد الولادة، بعد الانعتاق الفردي، لنقرأ لحظات حميمية بين الأم وابنها، قبل أن يضحي الأخير مقدسا، فهي تناجيه وتناجي ذاك المتعالي، أن يدعه بشريا مثلنا، لا يحمله هموم الحياة قبل الثلاثين.

ما بعد المقدس

ما لا تقدمه الرواية الدينيّة بدقة هي لحظة الولادة، إذ تتجنب اللحظات البشرية الأخيرة، ولا تصف الجسد البشري في طريقه نحو الانعتاق الإلهي، وهذه المرحلة الدقيقة (المخاض) مرتبطة بالخارج، الأبوي، المهيمن، الذكوري، يقول دي لوكا في المقدمة “باسم الأب تتفتح شارة الصليب، باسم الأم تتفتح الحياة”، فهو يستحضر الأمومي بوصفه يقع بين الرغبة الذكوريّة المقدّسة (كلمة الرب/ الإخصاب)، والولادة الذكوريّة (ابن الرب)، فالأمومي هو الصلة الحميميّة بين المقدس الإلهي والمقدس الأرضي، جسد الأنثى/ مريم هو رحم للخلاص، مخاض اجتماعي وجسدي تمر به، وحيدة، دون أي مسّ.

ثنائية أبوي- أمومي تتناغم في نص دي لوكا، لا صراع بينهما، لحظة المخاض هي لحظة تناغم، تليها لحظات أم وابنها، إذ نقرأ في نشيد مريم “من هو هذا الولد الشهاب/ من هو سريّ هذا/ الذي انبثق من نبع خفي/ وتدفق مع النبيذ/ إنه لي وحدي، لي وحدي/ اسمه هذه الليلة هو: لي وحدي./ إنه لي وحدي، لي وحدي/ غدا سيكون له اسم آخر/ أما الآن فإنه: لي وحدي”.

تجربة دي لوكا الأدبية واسعة وبدأت منذ أن كان في العشرينات، إذ نشر العديد من المؤلفات، في الرواية والقصة القصيرة والشعر، إلى جانب عمله ككاتب سيناريو، واشتغاله الشخصي على ترجمة العديد من النصوص الدينيّة واللاهوتيّة، وبالرغم من الصبغة الدينية والروحية التي تحملها كتاباته إلّا أن دي لوكا يعتبر نفسه غير مؤمن، يكتب من وجهة نظر جماليّة لا دينيّة.

16