الكاتب التونسي أبوبكر العيادي يحاور الفكر الفرنسي

أعمال الكاتب التونسي هي رصد حيوي وتفكير عميق في تطورات النقاش الفكري الغربي.
الجمعة 2019/09/06
كاتب تونسي يناقش أهم أفكار فلاسفة الغرب المعاصرين

إضافة إلى منجزه الإبداعي الغزير في القصة والرواية والترجمة، قدّم الكاتب التونسي، المقيم في فرنسا، أبوبكر العيادي للمكتبة العربية عددا من الكتب الفكرية، التي ناقش فيها بشكل أساسي الفكر الفرنسي وتمثلات المثقفين العرب لهذا الفكر والفكر الغربي عموما، طارحا للنقاش قضايا فكرية وثقافية في غاية الأهمية.

خلال الشهر الماضي وصلتني من صديقي الأديب التونسي، المقيم في فرنسا أبوبكر العيادي، ثلاثة كتب صدرت له تباعا في تونس عن دار نشر “آفاق – برسبيكتيف”، وهي على التوالي “العتق والرق: مقالات في ثورات الربيع العربي وما تلاها”، و”معارج الفكر: إطلالة على الثقافة الأجنبية”، وآخرها كتابه الذي صدر منذ أسابيع “رسائل باريس: مقالات في الفكر والسياسة”.

والظاهر هو أن معظم المقالات التي تتضمنها هذه الكتب قد نشرت على صفحات “العرب” ومجلة “الجديد”، الصادرتين بلندن. وسأكتفي هنا بمقاربة دلالات حوار أبوبكر العيادي مع الفكر الفرنسي في كتابيْه معارج الفكر ورسائل باريس، تاركا مؤلفه عن الربيع العربي إلى فرصة أخرى.

مقاربات للنقاش

حسب علمي فإن هذه الكتب الثلاثة للأديب أبوبكر العيادي لم تحظ حتى الآن بالتعريف والدراسة والتحليل رغم أهميتها وجديتها. وفي الحقيقة فإن هذا الوضع يعاني منه راهنا معظم منتجي الفكر والأدب في بلداننا جرّاء عدّة عوامل منها تكلّس ظاهرة متابعة ما يصدر في حياتنا الثقافية من إنتاج أدبي وفكري إلا نادرا، واضطراب الحياة السياسية في مجتمعاتنا وتفاقم تدهور الأوضاع المادية والاجتماعية للمواطنين والمواطنات، وانحسار الأهمية الاستثنائية التي كانت تعطى في الماضي البعيد نوعا ما لمختلف أشكال التعبير الفكري والأدبي والفني، فضلا عن انتشار الأمية الفكرية والأدبية بين أوساط الأجيال الجديدة التي حرَمت منهجيا من تقاليد التحصيل الثقافي من خلال طقوس القراءة العميقة والتحليل والمناقشة الجديين للكتابات التي تلفظها المطابع.

قضايا فكرية
قضايا فكرية

 كما أن زهد ما تبقى من أبرز نقادنا ودارسينا الموهوبين عن الممارسة النقدية، وترقية البيئة الفكرية، وتحمل مسؤولية بناء النهضة الحضارية وكذا صنع الأجيال التي تفكر هي عوامل إضافية قد ساهمت وما تزال تساهم في تكريس ظاهرة دفن المؤلفات فور خروجها من المطابع.

وإلى جانب ما تقدم فإن ندرة المنابر الفكرية والأدبية ذات الطابع المدني المستقل وغير النخبوية، والمتخصصة في تعميم التربية الجمالية والحساسية الحضارية وعلاقة الحوار مع الإنتاج الثقافي والفكري والدفاع عنه ببلداننا تعد من أخطر العقبات التي تطمس جهود مبدعي الفكر والأدب في مجتمعاتنا.

وفي هذا السياق ينبغي تسجيل ملاحظة ضرورية وهي تتصل بموقع كتّابنا ومفكّرينا في برامج المنظومة التعليمية التي يفترض أنها الفضاء الذي يلتقي فيه طلابنا، في مختلف مراحل التعليم، بأرقى منتخبات إنتاجنا الثقافي والفكري والأدبي، وفي هذا الصدد بالذات يلاحظ راصد واقع التعليم ببلداننا أنَ معظم إنتاجنا الفكري والأدبي والفني المعاصر لا يجد مكانا في هذه المنظومة، ويعتبر هذا بمثابة تغريب عنيف لمؤلّفينا المبدعين سواء كانوا نقادا أو شعراء أو روائيين أو كتّاب قصة أو مسرح وهلم جرّا.

أول معلم يلفت الانتباه في كتابي أبوبكر العيادي، معارج الفكر ورسائل باريس، يتمثل في رصده لعدد مهم من القضايا الفكرية الساخنة المطروحة بقوة في الساحة الفكرية والأدبية الفرنسية وفي تحليله لتداعياتها السياسية بشكل خاص منها قضايا الهوية، والتعددية الثقافية، والتوتاليتارية والديمقراطية والراديكالية، والإسلام في فرنسا، والماركسية واليسار، وعلاقة الإنسان بالزمان، ونقد المجتمع التأديبي، والعنف، والرأسمالية والليبرالية، والفردانية، ونشأة الإرهاب، والدين والعلمانية، والشعبوية وغيرها.

ويشعر القارئ أن العيادي يريد من قرائنا أن يشاركوه في الرصد الحيوي، وفي التفكير العميق في تطورات النقاش الذي تحظى به هذه القضايا في فرنسا والغرب ككل كما يبدو واضحا أنه يدعو الجميع إلى العمل بفعالية لتقديم مساهمات ذات نوعية وفرادة قصد تعميق تحليل المشكلات الكبرى، وفي هذا السياق نجد أبوبكر العيادي يقدم نموذجا يستعرض ويحلل ويناقش نقديا في إطاره أفكار عدد من المفكرين والفلاسفة البارزين في المشهد الفكري الفرنسي منهم على سبيل المثال فقط ميشال فوكو، وبيير بورديو، وريمون بودَون، وإليزابيث رودنسون، وميشال أونفري، وراسل جاكوبي، وفنسان ديكومب، وجورج زيمل، وعلاقة الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الفلسفية بفلسفة معلمه الفيلسوف بول ريكور الخ…

لا شك أن كتابيْ العيادي يفتحان الشهية للدخول في مناقشة عميقة حول قضايا معقّدة مثل الهوية والعلمانية، وحول فلاسفة ومفكّرين مهمّين مثل فوكو الذي أعتقد أنه يحتاج إلى وقفة خاصة لإبراز الأسباب التاريخية التي دفعت به إلى الانشقاق بطريقته الخاصة عن ماركسية الحزب الشيوعي الفرنسي التقليدية الدوغماتية، ومدى تأثير ذلك على نبذه لمفهوم الصراع الطبقي في تفلسفه وتفسير لحركة التاريخ وتعويضه بالكشف عن دور الخطابات في بناء الذاتية، ودور السلطة في المجتمع وكذا رفضه للتواريخ الكبرى ودعوته إلى تفضيل القطيعات على التراكم التسلسلي.

وأشير أيضا إلى أن مناقشة أبوبكر العيادي للمفكر الإثنونغرافي والأنثروبولوجي المؤسس فلسفيا بيير بورديو تكتسي أهمية بالغة، ويمكن القول إن مقاربة العيادي لهذا المفكر تقترح بشكل غير مباشر فتح النقاش حول بورديو الذي قضى جزءا كبيرا من حياته كباحث وكمنظّر في الجزائر حيث ابتكر حينا، وعدَّل حينا آخر، وطبّق طورا آخر، عددا من المفاهيم الأساسية التي تعتبر إضافة من إضافاته إلى معجم البناء الفلسفي للإثنوغرافيا ولعلم الاجتماع مثل مفهومي العنف الرمزي، والهابتوس، والرأسمال الرمزي، والهيمنة الذكورية، والحقول وغيرها.

الأنا والآخر

Thumbnail

ما أريد أن أتوقف عنده في كتابيْ معارج الفكر ورسائل باريس يتلخص في مسألتين أعتبرهما مهمتين جدا وهما: أهمية المشروع الذي يعمل أبوبكر العيادي على تنفيذه من أجل تقديم الإحداثيات الأساسية للفكر الفرنسي الفلسفي والسياسي المعاصر، والتفاعل معها من أجل تنوير قرائنا بأهم ثمرات هذا الفكر ومشكلاته الكبرى أيضا.

لا شك أن مهمة تقديم الابتكارات الفكرية في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والنظرية الأدبية، والإشكاليات السياسية الكبرى التي تطرحها التعددية الثقافية من أسئلة حاسمة على المجتمع الفرنسي فضلا عن النقاش المحتدم حول الفرق الجوهري بين “الدنيوة”، التي يرى الباحث الفرنسي المتخصّص في الشؤون الإسلامية أوليفيه روا بأنه “يمكن لبلد ما أن يكون دنيويا ولكنه ليس علمانيا لأن لديه دينا رسميا”، وبين العلمانية ذات الخصوصية الفرنسية شبه المغلقة ذاتيا والتي لا ينبغي فرضها على الآخرين بالقوة.

إن هذا النقاش يهدف إلى فهم مدى قدرة التشريع في الجمهورية الفرنسية العلمانية على ابتكار أساليب مرنة لفهم الفرق بين التعصب الديني وبين الورع الروحي، وتنشيط عمليات تثقيف الحوار المعتدل مع الجاليات ذات الهويات غير العلمانية التي تبحث عن صيغة سلمية تمكنها من التعايش مع المجتمع الفرنسي الأبيض المختلف، على نحو يضمن تجنّب الطرفين الصدام المادي ومختلف طقوس الاحتواء والامتصاص الثقافيين اللذين ينتجان الكبت، ويفعلان العنف الرمزي المهدّد للتوازن النفسي عند الآخر غير الفرنسي.

لا شك أن مقاربة أبوبكر العيادي في كتابيْه المذكوريْن آنفا لمثل هذه المسائل تكتسي أهمية بالغة لأنها تساهم أولا في تعريف مواطنينا، سواء في المهاجر الفرنسية/ الغربية أو وفي بلداننا أيضا بالتحديات التي تخرق حينا وتؤجل حينا آخر ما دعا إليه عدد من المفكرين المستنيرين في الضفة الجنوبية وفي الضفة الشمالية/ الغربية ألا وهو الحوار العقلاني بين رأسمال المضامين الحضارية المختلفة سعيا لخلق الفرادات المتجاورة والمتحاورة سلميا.

15