الكاتب التونسي الطاهر أمين: لن يغفر لك أحد أن تكون كاتبا

النهضة التي أريدَ لها أن تكون بديلا عن الانحطاط والركود الثقافي وعصر الشروح وعصور الظلام كلها تفضي إلى عبارة الأزمة، وهي من أكثر العبارات تداولا في خطابات المفكرين العرب باعتبارهم غير منتجين وغير فاعلين في هذا العالم. هذا ما يراه الكاتب التونسي الطاهر أمين، الذي اختفى عن الساحة الثقافية التونسية طيلة عقدين متخذا له مسافة مما يعتبره ثقافة زائفة. التقينا الكاتب وكان لنا معه هذا الحوار حول الثقافة والمثقف العربي.
الثلاثاء 2015/09/01
مثقف المعارضة هو الوجه الآخر لمثقف السلطة وكلاهما يرهن نفسه لصالح المؤسسة

أدرك أن ما يواكبه لا ينتج معرفة وأن أزمة الإنتاج الثقافي جزء من أزمة المجتمع بأسره، وحين عاد كان كتابه ثلاثية البؤس “بُراقه” الذي أسرى به من الأسئلة المحرمة إلى يقين البؤس. فالمحاور الثلاثة: الثورة والثقافة والهوية، لا معنى إذا كان الحفر خارجها، ثلاثية موحدة وإن بدت متعددة: فهل يمكن ان نفصل بين الثورة والثقافة والهوية؟ وحتى التسلسل لم يكن اعتباطيا بقدر ما كان مبنيا على تصوّر واع. فالثورة تستدعي الثقافة التي لا يمكن تخيلها دون استحضار الهوية البائسة.

المثقف العربي

“ما ذنبي إذا كان البؤس حاضرا بكثافة، أنا لم أخترع شيئا لكني وضعت الثورة والثقافة والهوية أمام مراياها الحقيقية”. هكذا يقول الطاهر أمين، الرجل الذي أمضى سنوات طويلة ناقدا، لقد آمن بالمرآة والمشرط إذ يرى أنه “لا معنى لكتابة مطمئنة ومحصنة من الأسئلة، تغري القارئ وهي المنطلقة من منابر احترف ممتطوها الدجل وألهاهم التكاذب ولم تمد بهم المنابر”.

عاد الطاهر أمين ليعلن وهو الذي لم يغب “هجرت الساحة الثقافية منذ عشرين سنة، لم أجد من يدلني على حقيقة واحدة تصلح عصا أتوكأ عليها. الساحة الثقافية مازالت غارقة في أوهام الكتابة المبتذلة كما تركتها منذ ربع قرن، لست معلما ولا عرافا ولا حارس بوابات ولا مبشرا”.

عن دور المثقف إذا لم يكن فضح “ألاعيب الحقيقة التي يمارسها خطاب الحقيقة” مستعيرا مقولة علي حرب، يقول ضيفنا “ألاعيب الحقيقة هي البؤس الكامن فينا ولعل اللغة تسعفنا هنا ونحن نتحدث عن الحاجة إلى السؤال والشجاعة في طرحها؛ بؤُس الرجل يبؤُس بأسا إذا كان شجاعا كما يقول الجوهري في صحاحه (صحاح اللغة). وبئس (بكسر العين) الرجل يبأس بؤسا إذا اشتدت حاجته، والبائس هو الرجل النازل من بلية أو عدم كما يقول الصاحب بن عباد في محيطه (المحيط في اللغة)”.

لم يصرخ الطاهر أمين فقط “من أين هذه البلية”؟ بل لعن الظلام، كان وابل الأسئلة التي طرحها بمثابة الهزات لإيقاظ مغمى عليه. كانت شذراته خاطفة وموجعة. فآخر الطب شذرات صاعقات “لأن عمر الثقافة العربية لم يعد يتسع للثرثرة.

ألم يقل سيوران إن الشذرة هي الشكل الوحيد الملائم لمزاجي؟ أليس الشذر هو النشاط والتسرع في الأمر كما أورد الخليل بن أحمد ذلك في كتاب العين؟ أليس التشذر هو التهيؤ للقتال والوعيد كما جاء في جمهرة اللغة لابن دريد؟ أليست الشذرة عقلا صارما وشكلا من أشكال التحرر من كل حساب؟ ألا تعفي الشذرة صاحبها من الهذيان”؟

أهم مشكلة ثقافية يعيشها العرب هي غياب الأسئلة وأي ثقافة تغيب عنها الأسئلة الكبرى هي ثقافة ميتة

حين أعلن الطاهر أمين عن قدومه كاتبا كان جاهزا للمواجهة، لقد أعلنها صراحة في إحدى تغريداته “لن يغفر لك أحد أن تكون كاتبا” وكأنه يستحضر الجاحظ الذي تحدث عن “الرجل الذي مازال في فسحة من عقله حتى يعاقر المداد”. يعتبر أمين الكاتب الصدامي الذي فرّ من النقد، ولم يجن منه سوى العداوات هو ذاته الذي انتصب للحساب الخاص يجني ألذّ الخسارات مفجّرا في نصه ما سكت عنه آخرون خوفا وطمعا.

كان يدرك الحكمة العربية، “من غربل الناس نخلوه” ماذا ينتظر الطاهر أمين وهو يعمل مشرطه في أجساد ترهلت ونخرها السوس؟ لم يبال لأنه يؤمن أن “المثقف هو من يحشر أنفه في كل شيء”، مضيفا بسخرية ذات مرة “المثقف العربي لم يجدع أنفه لأنه لا أنف له أصلا”.

الأسئلة الكبرى

مرّ عشرون عاما والرجل مغيّب عن حوانيت الثقافة التي تأبى مواجهة المرايا، الرجل دقيق وصارم وقاس على نفسه حتى وهو يعلن عن قدومه بثلاثية البؤس، مازال يشرّح كل ما يدور حوله، ولا إمام له سوى العقل حتى قيل “لا يعجبه العجاب”.

وبأسلوبه الساخر المتحدّي يردّ على محاوره في إحدى الصحف التونسية “أين هو هذا العجب العجاب والمدهش في هذه الصحراء العربية القاحلة؟ العجب هو أن نغمض أعيننا عن إهانات الواقع الانحطاطي. والعجب هو ألا ننظر في مرآة المجهول المخيف الذي يزحف على كل شيء. العجب أن يزحف مرتزقة الثقافة في تبرير استقالاتهم. العجب أن يسكن السياسي خيباتنا الثقافية إلى ما لا نهاية له. العجب هو هذا الصمت الذي يقود إلى خيانة المثقفين، العجب هو القدرة على تبرير غيابنا المعرفي… أرفض أن يستهويني هذا العجب العُجاب”.

ما جدوى الكتابة وما جدوى أن يكون المرء مثقفا؟ يتساءل الطاهر أمين في كتابه حيث يقول “لا فائدة ترجى من مثقف عربي يمضي حياته كلها وسط هذا الخراب دون أن يزعج أحدا”. ويضيف “إن الثقافة البائسة هي التي توزع نفسها بين خدمة الرب في السماء والآلهة في الأرض وإن بؤس المثقفين يكمن في كونهم في راحة من العذاب بالحقائق لذلك يفشلون في قول الأشياء المضنية”.

حين أعلن الطاهر أمين عن قدومه كاتبا كان جاهزا للمواجهة، لقد أعلنها صراحة في إحدى تغريداته “لن يغفر لك أحد أن تكون كاتبا”

وإذا كان هملت قد صرخ “ثمة تعفن في الدنمارك” فإن الطاهر أمين يتلقف قول هشام جعيط “ثمة تعفن ثقافي وفكري كبير في وطننا العربي”. فهو كما زولا يتهم من لا يعرفهم ولم يرهم أبدا ولا يحمل تجاههم أية ضغينة بل كل ما يكتبه هو “من أجل التعجيل بانفجار الحقيقة والعدالة”.

ولا يستثني الطاهر أمين أحدا سواء كان داخل السلطة أو خارجها، مثقف المعارضة هو الوجه الآخر لمثقف السلطة وكلاهما يرهن نفسه لصالح المؤسسة. كلاهما متملق لا يجرؤ أن يقول للشعب ما يفكر فيه أي لا يجرؤ على الإصداع بموقف غير شعبي وكلاهما يدّعي أنه حلال مشاكل -والعبارة للطاهر لبيب- ولا يطرح الأسئلة مع أن “أهم مشكلة ثقافية يعيشها العرب هي غياب الأسئلة… وأي ثقافة تغيب عنها الأسئلة الكبرى هي ثقافة ميتة”.

وكما جاء في كتابه “الهوية عبارة ليست عربية إنما هي كلمة اشتقها المترجمون العرب من الـ”هو” أي حرف الرباط الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره “ومن الغريب أن الهَوية (بفتح الهاء) هي البئر بعيدة القعر خلافا للهُوية (بالضم) يحيلنا الخلط بينهما إلى أننا لم نخرج من هَويتنا منذ أن ذهبنا لنطل على بئر عروبتنا المعطلة”. ويضيف “الهوية مطرودة من كتب النحاة لأنها اشتقت على غير قاعدة نحوية أطردت من معاجم اللغة العربية وكل بقية العلوم”.

نحن بؤساء الهوية حين نطالب الآخر بأن يقول ما نريد سماعه، ونحن بؤساء الهوية إذا أردنا أن نقول نحن دون أن نستطيع في الوقت ذاته أن نقول أنتم…

14