الكاتب السوري وسيم الشرقي يكتب رواية دمشقية

لعل أبرز ما يميّز الرواية العربية الشابة اليوم ابتعادها عن تناول الراهن، وتروّيها في سردها لما يحدث اليوم؛ ربما ينتظر كتابّها نهاية المرحلة وثبات الصورة، مفضلين البحث في ذاكرة أماكنهم ومدنهم المشتعلة، كما هي الحال في رواية “الحاجب” لوسيم الشرقي، والصادرة عن دار الساقي بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون.
السبت 2016/02/20
"الحاجب" أولى خطوات وسيم الشرقي في عالم الرواية

تحت إشراف محترف نجوى بركات، أصدر وسيم الشرقي روايته الأولى “الحاجب”، التي اختار مدينة دمشق مسرحا لأحداثها، لكنه ابتعد بالزمن سبعين عاما في تاريخ أقدم العواصم، وتحديدا عند دخول جيش الشرق الفرنسي إلى دمشق.

تدور أحداث الرواية حول الطيب الشاب الجزائري الذي قدم مع جيش الشرق الفرنسي في أربعينات القرن الماضي، وكيف اندمج في تلك المدينة التي حوّلت “الخفة في داخله إلى شعور غامر بالارتياح، تعزّز مع طلوع الضوء الذي بدأ يرسم معالم المكان من حوله”.

في الوقت الذي يبحث فيه الجميع عن آليات اندماج اللاجئين السوريين في المجتمعات الأوروبية المضيفة، يسرد الشرقي اندماج الجندي الجزائري في المجتمع السوري، والشامي منه بشكل خاص، فالطيب الجزائري الذي أتى به الفرنسي إلى المدينة، أصبح بعد أعوام واحدا من أهلها، تزوّج من سمية الفتاة التي رآها مصادفة في إحدى البيوت الدمشقية، وأسس معها عائلة دمشقية، وشهد على نصف قرن من تاريخ دمشق، كان في معظمه “حاجبا” لأحد الضباط بوزارة الدفاع.

يعتمد الشرقي في سرده على ثلاث فترات زمنية، الأولى: من 1940 إلى 1958 وهي فترة قدوم الطيب إلى دمشق مع الجيش الفرنسي، والثانية من 1984 إلى 1995 ويرصد فيها تفاصيل حياة أبناء وبنات الطيب وسمية في دمشق، والثالثة هي سنة 2014 التي يُصاب فيها الطيب بأزمة قلبية. يعتني الشرقي بتكنيك روايته، فينهي الرواية بالزمن ذاته الذي بدأها به، عام 2014.

إنه لا يضع فصول روايته في ترتيب واضح رتيب، لذا يبقى القارئ يتنقل في أزمنة الرواية بشكل عشوائي، حاله حال ذاكرة الطيب التي تنتقل بين هذه الأعوام دون تمهيد أو ترتيب. وتوازي هذه الأزمنة الثلاثة رسائل أخي الطيب الأكبر الحسن التي تشكل صلة الوصل بين الطيب وعائلته في الجزائر. ولا تتقيّد هذه الرسائل القادمة من الجزائر بزمن واحد، بل نجدها تواكب حياة الطيب في دمشق منذ قدومه حتى النهاية، يقدمها الكاتب بلغة بسيطة مختلفة عن لغة السرد.

يغامر الشرقي في تتبع مسار سمية والطيب، إذ تكاد الرواية تستحيل في بعض الأحيان -زمن الثمانينات والتسعينات- إلى يوميات، هذه اليوميات تهبط بمستوى السرد، حتى يصاب القارئ بالضجر وهو يتتبع سلسلة أفعال يومية رتيبة لا تتفجر ولا تتغيّر. في هذه الأماكن تطغى الجمل الفعلية على لغة النص، تتلاحق الأفعال، تتعمّم صيغ الخبر على السرد، وينخفض مستوى شعرية اللغة.

لكن في مواطن أخرى يتلافى الشرقي ذلك، ولا سيما في الفصل الأخير من الرواية الذي يسرد فيه رحلة الطيب من الجزائر إلى بيروت فدمشق، حيث ينتقل بالقارئ في فضاءات مختلفة (طفس، الجزائر العاصمة، البحر، بيروت، المعسكر الدمشقي) مكثفا اللغة في فصل لا يستكين فيه الطيب في مكان ولا على حالة، وهو يختفي خلف “الأضواء القليلة وراء دمعات صغيرة ذرفتها عيناه البنيتان، وشعر بخفة نزلت على صدره وأحلّت به شعورا رقيقا من الفرح”.

تتوارد الصور بعشوائية تتناسب والحالة الحلمية التي يعيشها الطيب في غيبوبته، وينتقل النص بين الشخصيات دون تمهيد، وتختلط هذه الصور والأحداث ليتشظى الحوار ويغدو بقايا ذاكرة رجل جزائري، أبقاه الحب في مدينة “ينام الغريب بها واقفا”.

ينهي الشرقي روايته، عائدا ببطل روايته وبقارئها إلى الفجر الأول الذي عاشه الطيب في دمشق قبل سبعين عاما ونيف؛ البرد المنعش ذاته، والحالة عينها التي انتابته حينما وطئ أرض هذه المدينة التي قضى فيها حياته، والتي سردها روائي شاب كخطوة أولى في عالم الرواية.

17