الكاتب الصومالي نور الدين فرح: أكتب آلام الناس في بلادي

الجمعة 2014/05/09
فرح: الأوضاع في الصومال تزداد تردّيا يوما بعد آخر

تعرّفت على الكاتب الصومالي نورالدين فرح في لندن خلال صيف عام 2000. وقتها كان قد أصبح كاتبا مشهورا عالميّا. وكانت رواياته قد ترجمت الى العديد من اللغات، وأحرز البعض منها على جوائز مرموقة. وباعتراف كتاب كبار من أمثال دوريس ليسينغ ونادين غوردمير وسلمان رشدي، كان فرح قد أصبح يعدّ من أفضل الكتاب الأفارقة.

كنت قد جئت إلى العاصمة البريطانية لأن إحدى قصص نور الدين فرح كانت مرشحة مثل قصتي “السلحفاة” لنيل جائزة “كاين” التي تمنح لأفضل قصة أفريقيّة. ومثلما توقّعت، وجدته لطيفا وودودا وشديد التواضع. وكان يتكلّم العربيّة ولا يقول إلاّ ما قلّ ودلّ.


فقدان وطن


في قصر البرلمان البريطاني حيث حضرنا موكب النواب الذين بدوا لنا بأزيائهم التقليديّة التي تعود إلى عصر النهضة، وكأنهم أشباح من ماض بعيد، قال لي فرح باسما: “هؤلاء الأنكليز لا يريدون أن يتقبّلوا أن إمبراطوريتهم التي لم تكن تغرب عنها الشمس أفلت ولم يعد لها أثر يذكر! وها هم يستحضرونها من خلال عرض مسرحي كئيب ومضحك!”.

وفي الباص الذي حملنا إلى مدينة “أكسفورد” الجامعية حيث انتظم حفل الجائزة، تحدثنا طويلا عن الأوضاع في بلاده، وقال لي بمرارة: “أعتقد أني فقدت وطني. لذا أنا أحاول أن أستحضر صورته القاتمة، وأن أعرّف العالم بالمآسي والكوارث التي ضربته وتضربه”.

كانت والدته شاعرة شعبية مجيدة، تتقن تأليف الأغاني، وتنشدها في المناسبات


لغة شكسبير

ولد نورالدين فرح عام 1945 في جنوب الصومال الذي كان تحت السيطرة البريطانية بعد أن كان محتلا من قبل الفاشية الإيطالية التي انهارت بعد الحرب الكونية الثانية. وكان والده يعمل مترجما من اللغة الصومالية إلى اللغة السواحلية لدى الحاكم البريطاني. وكانت هناك مدرسة أنكليزية مسيحية. وقد انتسب إليها الطفل نورالدين ليتعلم لغة شكسبير في الصباح. وفي الظهر يمضي إلى المدرسة القرآنية ليتعلم اللغة العربية. وهكذا أمضى طفولته متنقلا بين القرآن والإنجيل، وبين الشعراء البريطانيين الرومانسيين، وبين الشعراء العرب القدماء.

وكانت والدة نورالدين فرح شاعرة شعبية مجيدة، تتقن تأليف الأغاني، وتنشدها في المناسبات. مثل الأعراس وحفلات الختان. وفي الليل، تغني لابنها الصغير، وتطلب منه أن يحفظ أغانيها عن ظهر قلب. وهو يقول إن تلك الأوقات التي كان يقضيها بجانب أمه وهي تغني كانت من أسعد الأوقات في طفولته.


مدينة سوداء

وخلال الفترة الفاصلة بين عامي 1963 و1964، اندلع نزاع مسلّح بين الصومال وأثيوبيا في إقليم “الأوغادن” فكان على عائلة نورالدين فرح أن تهاجر إلى العاصمة الصومالية ماغاديشو. وهناك واصل تعليمه. وفي الآن نفسه كان يقوم بأعمال صغيرة لمساعدة عائلته التي أصبحت فقيرة. وكان يكتب قصصا، ويقرأ روايات أنكليزية وروسية وأميركية وفرنسية. وكان إخوته وأصدقاؤه يهدونه كتبا ثم يطلبون منه أن يروي ما تتضمنه من مواضيع ومن أحداث.

كان فرح يفعل ذلك بمتعة كبيرة وكان في سنّ العشرين لمّا حصل على منحة دراسيّة. وكان عليه أن يختار بين الولايات المتحدة الأميركية وبين الهند. وقد اختار هذه الأخيرة لأنه كان قد قرأ رواية للكاتب البريطاني سومرست موم تروي قصة بريطاني انطلق إلى هناك ليتعرف على خفايا الفلسفة الهندوسية.

في الهند أمضى نورالدين فرح أربع سنوات. وهناك كتب روايته الأولى التي حملت عنوان “مولودا على ساحل آدم”. بعدها انتقل للعيش في بريطانيا حيث كتب روايته الثانية “الغبرة العارية” التي تدور أحداثها في العاصمة الصومالية موقاديشو، وفيها يرسم صورة سوداء لهذه المدينة مستوحاة من أجواء مدينة دبلن التي تدور فيها أحداث رائعة جويس “أوليسيس”. وقد اعتبر نظام زياد بري تلك الرواية مناهضة له؛ لذا منع توزيعها.

وذات ليلة تلقى نورالدين فرح مكالمة هاتفية من أخيه يحذّره فيها من العودة إلى البلاد لأنه مهدّد بالسجن لمدة 30 عاما. وهكذا بدأت سنوات المنفى التي لا تزال متواصلة إلى حدّ هذه الساعة. والتي يعيشها متنقلا بين إيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا حيث يقيم راهنا، كتب نورالدين فرح ثلاثية يصوّر فيها أوضاع بلاده في ظلّ نظام ديكتاتوري.


مرارة المنفى

وعن سنوات المنفى الأولى يقول نورالدين فرح: “كان الألم الذي سببه لي الإبعاد الإجباري عن الوطن شديدا، كما لو أنني كنت أحمل كامل الوطن في رأسي، فإنني كنت أحسّ بالضياع، ولم أكن أدري ماذا أفعل”. وبعد أن أصدر المجلد من الثلاثية، حكم نظام زياد بري بالإعدام على نورالدين فرح غيابيّا، واتهمته الصحف الرسميّة بأنه “لقيط”، و”من دون جذور”. غير أن كلّ ذلك لم يمنعه من مواصلة الكتابة رغم الصعوبـــات المادية التي كان يواجهها.

يذكر أن نور الدين فرح أمضى ستة أشهر في مدينة ترياست الإيطالية حيث عاش جيمس جويس فترة من حياته، وهي المدينة التي تقع على الحدود الفاصلة بين إيطاليا ويوغسلافيا؛ وبسبب ضيق اليد، كان عليه أن يأكل البطاطس والجزر، وبين وقت وآخر كان يمضي إلى زغرب ليبيع سراويل الدجينز للروس. ورغم مرارة المنفى، ظلت الصومال بكلّ ما تعيشه من أحداث مأساوية، ومن تقلّبات، ومن فتن، حاضرة في كلّ ما يكتب؛ وفي كلّ عام، كان يعود إلى هناك ليتعرف على الأوضاع عن كثب، وليلتقي بمن يمكن أن يصبحوا شخصيات في رواياته الجديدة.

كان ذات مرّة في زيارة إلى موقاديشو التي تحوّلت إلى ساحة للمعارك الدامية بين الإخوة الأعداء لمّا هاجمته عصابة من الفتية طالبة منه أن يدفع دولارين، وكانت لحظة عصيبة إذ أنه واجه خلالها الموت في صورته الأشدّ بشاعة ووحشيّة. وعن ذلك يقول نور الدين فرح: «صحيح أن الأوضاع في الصومال تزداد تردّيا يوما بعد آخر، غير أن ذلك لا يمنعني من مواصلة الكتابة عن أوضاع بلادي؛ فقد كتب دانتي “الكوميديا الإلهية” في أوقات عصيبة للغاية، وكذلك فعل شعراء وكتاب آخرون.. الناس في بلادي يتألمون، وعليّ أن أكتب عن آلامهم».

14