الكاتب العربي الشاب تحت مقصلة الناشر

الصبغة التجارية أضعفت عملية النشر وأغلقت الباب أمام الموهوبين وجعلت الشباب يبحثون عن أنفسهم رقميا دون جدوى.
الاثنين 2018/08/13
الكاتب الشاب في حيرة

القاهرة - أتم أحمد كمال، شاب يخطو نحو عامه السابع والعشرين، حلم عمره بكتابة أول رواية له. بدا الحلم أمامه صعب المنال، لأنه ظل أعواما يكتب ويعيد ما كتبه مرات.

ظن أنه اجتاز المرحلة الأصعب والأكثر تعقيدا في حياته وهي وضع “الرتوشات” الأخيرة لروايته الموقعة باسمه وتاريخ إتمامها، ليصطدم بعدها بعالم غامض وربما متعجرف، أشبه بأحجية معقدة تبدو غير قابلة للحل، وهو البحث عن دار نشر.

رغم تعدد وسائل النشر بين حكومي وخاص وإلكتروني، وظهور سنوي لعدد ليس بالقليل من دور النشر التي تبحث عن الأعمال الجيدة لنشرها والاستفادة منها، لكن لم تكن المهمة سهلة كما بدت له ولزملائه الباحثين عن تحقيق ذواتهم ودخول عالم الأدب والإبداع.

غابت أجهزة الحكومة عن النشر والترويج للثقافة الجادة وتخلت عن دورها في تشجيع المواهب. وكما حظي روائيون كبار مثل إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي ويحيى حقي وغيرهم بفرص كثيرة دعمتها الدولة لعرض أعمالهم ومهدت الطريق لانطلاق جيل من الأدباء، تمنى الشباب الصاعد أن يحظوا بالطريق ذاته، غير أنهم اصطدموا بواقع مؤلم.

 

تنتعش عملية نشر الكتب في مصر بقوة مع قدوم شهر أغسطس من كل عام أملا في لحاق الأعمال بمعرض القاهرة الدولي للكتاب الذي يقام في يناير، باعتباره المهرجان الثقافي الأكبر للقراءة. ويواجه الكُتاب الشباب أزمة متجددة خاصة في صعوبة نشر أعمالهم، وسقوطهم في أفخاخ دور النشر التي يتحكم فيها مبدأ التجارة وتحقيق الأرباح السريعة دون اهتمام بدعم فئة صغار المؤلفين، وهو ما يقوّض العمل الإبداعي.

تعددت الجهات الحكومية لنشر الكتب، دون أن تفقد بريقها، لكنها فقدت تقريبا قدراتها المالية والتسويقية أمام صعود لافت لدور نشر خاصة تزداد كل عام. فتح غياب الدولة عن مهمتها التاريخية، الطريق أمام ظهور العشرات من الدور، ليتحول المنظور الرئيسي لنشر الكتب من وسيلة لترويج الإبداع ونقل العلم والأدب إلى تجارة قائمة على رغبة المشتري.

نظرة تجارية

رغم ظهور ملاك شباب لدور النشر، ورغبة بعضهم في إحياء عالم الكتب المتدهور، لكن النظرة التجارية لدى أغلب دور النشر الأخرى غيرت عملية الطباعة والنشر. وباتت الدور الخاصة تبحث عن أقصر الطرق وأسهلها لتحقيق ربح مادي دون النظر إلى الدور الثقافي.

أصبح الكاتب الشاب أمام ثلاثة اختيارات؛ الأول نشر الكتاب بسهولة حتى وإن قدم نسخة أدبية رديئة، في مقابل تحمل تكلفة الطباعة والتوزيع بالكامل، والثاني اقتسام التكلفة مناصفة مع الدار، وأخيرا الطباعة على حساب الدار بالكامل بعد تقييم من قبل لجنة قد تستمر في قراءتها للعمل شهورا عديدة، وأحيانا لا ترد مطلقا.

يقول كمال لـ”العرب” مبينا “رغم أن الصورة واضحة والاختيارات سهلة، لكنها في الحقيقة وضعت الكاتب الصغير تحت ضغط الاختيار بين تكلفة مادية غير محسوبة ولا يمتلكها أغلب الشباب، وبين السقوط أمام خديعة اقتسام المبلغ المطلوب مقابل اقتسام الأرباح مناصفة أيضا”.

ويضيف أن الكثير من دور النشر تخدع الشباب بأنها تدعمهم باقتسام تكاليف النشر، وهي تتحصل على المبلغ كله من الكاتب، ولا تتحمل شيئا وتكتفي بنصف المكسب بعد ذلك.

ويتابع أحمد سمير، كاتب شاب صدرت له ثلاثة كتب ساخرة، هي: “أرنوب والكذب” و”من أين يأتي السمك البانيه” و”جحيم فوق الماء”، ويقول “أزمة الكاتب الصاعد ليست فقط البحث عن دار نشر تؤمن بتجربته
وتدعمه في عملية الطباعة والتوزيع، لكن في أن الكاتب يبقى الطرف الأضعف في كل عقد مبرم مع دار النشر، فلا توجد ضمانة حقيقية لمعرفة نسبة أرباحه أو التحكم في التوزيع أو نوع الغلاف”.

ويوضح لـ”العرب” أن الطامة الكبرى في عدم وجود جهة يمكن اللجوء إليها لمعرفة أرقام المبيعات وعدد الطبعات الحقيقية التي بيعت، فدار النشر هي وحدها التي تمتلك الأرقام، والكثير منها لا يذكر الأرقام الصحيحة لكسب المزيد من الأرباح.

يتفق الخبراء أن أحد أهم أسباب تفاقم أزمة حماية الكاتب الشاب، هو غياب المظلة التشريعية الحامية لحقوقه والداعمة لعملية الابتكار والإبداع. ورغم وجود عدة قوانين لضبط عملية الطباعة والنشر، أبرزها قانون 82 لعام 2002 لحماية الملكية الفكرية والإبداعية، إلا أن الكاتب يبقى بلا وسائل حمائية في حالة رغبته في الحصول على حقوقه.

علاوة على أن الكاتب الشاب في مصر لا يجد غطاء يدافع عن حقوقه ممثلا في لجنة أو نقابة، في ظل غياب اتحاد الكتاب الذي تسيطر عليه الكثير من التعقيدات للحصول على عضويته، وأضحى لا يمارس دورا فعالا في حماية الكاتب من انتهازية الناشرين.

تبحث دور النشر عن الربح باختيار الأعمال التي تضمن مكسبا ثابتا دون عناء. وهنا تختار بين اجتذاب كاتب له شريحة من الجمهور أو اختيار كتب تناقش أمورا تهم العامة، مثل القضايا الدينية والأدعية والفلك والأبراج والروايات الرومانسية والرعب والكتب الساخرة.

تتعامل دور النشر بمنظور أندية الكرة المحترفة، فبعد أن كان أغلبها في العالم يعتمد في الأساس على قطاع الناشئين واكتشاف المواهب ودعمها، اختار أصحابها الطريق الأسهل بانتقال اللاعبين من ناد إلى آخر دون عناء التكوين والتطوير، واختارت الدور المنظور ذاته بعد أن لجأت إلى طباعة كتب سابقة لمؤلفين مشاهير.

السوق الرقمية

يرى هاني عبدالله، مدير دار رواق للنشر، أن بعض الدور لا تتعامل باحترافية مع الكتّاب، مع ذلك أضحت فرص نشر الكتب للشباب أسهل بعد أن ازداد عدد الدور وأصبح أغلب أصحابها من الشباب.

ويؤكد لـ”العرب” أن الكثير من الدور توفر فرصة طباعة وتوزيع الكتاب على حسابها وفقا لمعايير تحددها لجنة خاصة لدى الدار، وتعطي تقييما بناء على اللغة والسرد وجودة العمل. ويقول إن سمعة الدار أهم ما يمتلكه الناشر، لذلك تهتم الدار بتقديم أفضل محتوى للقارئ وعدم خداع الكاتب في أرقام المبيعات، كما أن ظهور جيل من الكتٌاب المميزين يصب في مصلحة دور النشر ويزيد من فرص النجاح والتطور.

باتت المنصات الإلكترونية لنشر الكتب رقميا الحل البديل للكثير من الشباب الباحث عن فرصة لعرض أعماله أمام الجمهور. ومع انتشار المنصات لتقديم تلك الأعمال مثل “كتبنا” و”كتبي”، أصبحت هناك
وسيلة جذابة تختار الأعمال، وتقوم بتنسيقها وتصحيحها لغويا، وعرضها بمقابل مادي قليل أو مجانا، ويدفع المؤلف مبلغا كل شهر أو عام للموقع مقابل استمرار عرض كتبه.

ومازالت الفكرة بعيدة عن تعويض النشر الورقي. فغالبية الناشرين يرون أن مبيعات كتبهم الإلكترونية لا تزيد عن 1 بالمئة، مقارنة بالورقية. وتفتقد الكتب المنشورة رقميا إلى جمهور واسع يرى في النسخة الرقمية متعة في القراءة.

ويعتقد الكثير من القراء أن النسخ المنشورة على الإنترنت أقل جودة أدبيا من تلك التي اختارتها الدور لتكون مطبوعة ومغلفة كي يحصل عليها القارئ من داخل المكتبات.

15