الكاتب الكرواتي فون هورفات يستلهم أسطورة دون جوان ليفضح أطماع النازية

هل تغير الهزات العنيفة طبيعة الإنسان، أم أن ما بالطبع لا يتغير؟ في مسرحية “دون جوان يعود من الحرب” يستدعي أودون فون هورفات شخصية زير النساء الشهير، ليصور كيف يغلب الطبع التطبع، وكيف ينقاد دون جوان من جديد وراء غرائزه حتى بعد أن عاش ويلات الحرب، رغم أنه يجد نفسه في مجتمع يعاني من جرائر هزيمة عسكرية مذلة وتضخم مالي خانق، يسير أفراده كالمنومين خلف شعارات الحزب النازي.
الاثنين 2015/08/03
"دون جوان يعود من الحرب" مكررا أخطاءه القديمة

أودون فون هورفات (1901 /1938) شاعر ومسرحي وروائي، اصطبغت سيرته بتحولات المنطقة التي شهدت نشأته في ظرف تاريخي متقلب، فقد ولد في فيومي (التي كانت تابعة لإيطاليا وصارت الآن تعرف بريجيكا وتتبع كرواتيا) من أسرة نبلاء مسيحية ذات أفكار ليبرالية.

أبوه من عائلة نمساوية مجرية، وأمه من أصول جرمانية مجرية. ظل يتبع تنقلات والده الدبلوماسي عبر بلغراد وبودابست ومونيخ وبريسبورغ (براتيسلافا حاليا) وفيينا، قبل أن يستقر في مونيخ لدراسة الآداب بجامعتها، ويحصل بفضل أبيه على لقب “فون” الذي يوحي بأنه ألماني المَحْتِد. وكان لتلك التنقلات أثر في عدم تمسك هورفات بأي جنسية، رغم تصاعد النزعات القومية وإعادة رسم الحدود على ضوء نتائج الحرب.

بدأ الكتابة للمسرح عام 1923 بـ”جريمة بشارع الموريسكيين” ثم تلتها أعمال أخرى كثيرة أهمها “ثورة الساحل 3018” التي تحمل الثيمات المؤسسة لكافة آثاره السابقة كـ”المؤتمر” و”سلاديك، جندي الجيش الأسود”، واللاحقة كـ”المؤتمر” و”قرية بلا رجال”، ونعني بها الثقافة الشعبية وتاريخ ألمانيا السياسي، فمسرحياته كانت تحذر من خطر النازية الزاحف، الذي كان يلمسه في تصاعد النزعة القومية وبروز “حزب العمال الألماني القومي الاشتراكي”.

ومع ذلك نال هورفات الشهرة بعملين آخرين هما “الليلة الإيطالية” و”أساطير غابة فيينا” في مطلع الثلاثينات، الذي صادف صدور روايته الأولى “البورجوازي الصغير على الدوام”. إلاّ أن خلافه مع النازيين أدّى إلى منع مسرحيته “الإيمان والحب والرجاء” في برلين عام 1933، ثم إحراق كتبه بوصفه “كاتبا منحرفا” حسب تصنيف الحزب النازي لكل الأدباء والفنانين الذين لم يعلنوا الولاء والطاعة، وحرمانه من حقوق التأليف، ما اضطره إلى اللجوء إلى فيينا، حيث عرضت تلك المسرحية عام 1936، ثم إلى براغ حيث عرضت مسرحيته “طلاق فيغارو”.

وظل يتنقل عبر المدن الأوروبية هربا من اضطهاد النازيين وحلفائهم: بودابست وتريستا وفينيسيا وميلانو وزوريخ، وأمستردام التي نشر فيها روايتين هما “جندي الرايخ” و”ابن من زمننا”، وأخيرا باريس التي لم يدم بقاؤه فيها أكثر من أسبوع واحد، إذ لقي حتفه يوم 1 يونيو 1938، خلال زوبعة عنيفة أوقعت إحدى الأشجار عليه، حينما كان يتجول في شارع الشنزيليزيه، قبالة مسرح مارينيه الآن.

وكان هورفات قبلها بسنة قد ألف مسرحية “دون جوان يعود من الحرب” التي عرضت مؤخرا في مسرح أتينيه بباريس. وتروي المسرحية عودة دون جوان من جبهة القتال مهزوما، وسعيه إلى إعادة ربط عرى الوصل مع خطيبته التي ما عادت تردّ على رسائله، لأنها ماتت كمدا منذ أكثر من ثلاث سنوات دون أن يعلم.

فون هورفات يتخذ من دون جوان رمزا لحكومة لم تستفد من أخطاء الماضي، لتنظر إلى العالم المتغير بأعين جديدة

وطال به البحث دون جدوى، فعاودته غرائزه القديمة، فمضى يغوي الأرامل وبناتهن بغير حماس، يغازلهن وهو كاره، كأنه مدفوع إلى ذلك دفعا ضدّ إرادته، إلى أن اتهم باغتصاب فتاة مراهقة، فاضطر للتخفي ثم الهرب.

ومن خلال هذا البطل الشبحي أو السلبي، يصور هورفات بلدا منهارا محبطا يعيش أزمتين سياسية واقتصادية، ويرسم عالما فقد القيم الإنسانية واختار سبيل التوحش والجريمة، فاستقر الوحش النازي في نفوس ميتة.

استعمل هورفات شخصية دون جوان والأنماط التعبيرية السائدة ليعالج موضوعا معاصرا ألا وهو الخطأ التاريخي الذي ارتكبه مجتمع فايمار الألماني، بقرع طبول حرب جديدة، بدل البحث في الأسباب التي أدت إلى الحرب الأولى 1914-1918. وقد اتخذ المؤلف من دون جوان رمزا لحكومة لم تستفد من أخطاء الماضي لتنظر إلى العالم المتغير بأعين جديدة. وهو لا يمتح من مصادر الأسطورة شخصية الرجل الفاتن فحسب، بل يستحضر أيضا من الأساطير الأدبية الجرمانية كفاوست وهوفمان صورة المسافر المنكوب في أنموذجه الأنثوي، الباحث عن سبيله عبر الواقع التاريخي الألماني في ذلك الوقت.

ويحتل هورفات موقعا مهما في تقاليد المسرح الشعبي النقدي بفيينا بفضل سبع مسرحيات لا تزال تعرض بانتظام. نقد على مستوى تفكيك خطاب البورجوازية الصغيرة وسلوكها، ونقد على المستوى السياسي والاجتماعي. فقد استطاع أن يطور المسرح الشعبي الناطق بالألمانية، حتى أن بيتر هندكه يعتبره أفضل من بريخت، ويشبه جملته بجملة كبار المسرح العالمي كتشيخوف وشكسبير.

قال عنه جاك أوزينسكي الذي سبق أن أخرج له ثلاث مسرحيات أخرى “أعجبتني منه طريقته في جعل الحكاية متجذرة في مجتمعها وعصرها، مثلما أعجبني منه بعده عن التنظير والتوجيه المدرسي، واهتمامه برسم الإنسان في خضم التحولات التاريخية والمجتمعية”.

ويواصل قائلا “فهو ينظر إلى العالم مثل عالم حشرات، ببصيرة مذهلة، ويعالج مادته في لغة موحية، تضمر أكثر مما تعلن، حيث يخرقها على الدوام صمت بليغ كتعبير عن المسكوت عنه واللاوعي والغرابة المحيرة”.

16