الكاتب اللبناني قاسم مرواني: الإنسانية مفهوم مخادع

يعيش العرب اليوم أكثر فتراتهم ضبابية وفوضوية، إذ تتسارع من حولهم الأحداث بشكل جنوني لا يمسكه أو يتحكم فيه منطق، ونعلم أن العلاقة بين الواقع والكتابة علاقة وثيقة، لا يمكن تجاوزها حتى وإن ادعت الأخيرة انزياحها إلى الخيال، فالخيال في النهاية هو وليد عناصر واقعية، تتم إعادة تركيبها حتى تغدو عجائبية، الواقع العربي والكتابة صنوان إذن، كلما انتفض الدم والدخان على الأرض وجدناهما بين أوراق ما يكتب. “العرب” كان لها لقاء مع الكاتب اللبناني قاسم مرواني في حديث عن الكتابة وكتابه “وجه مارغريت القبيح” وجدوى هذه الكتابة في عالم ينهار.
السبت 2016/04/16
قاسم مرواني يشهد آخر الانهيارات قبل الطوفان

باريس - “كُنت أكتب بدافع الحاجة النفسية ثم وجدت لدي مجموعة من القصص القصيرة، بعضها قديم وبعضها جديد، جمعتها في كتاب ونشرته. كانت مغامرة فالناس يفضلون الرواية على القصة القصيرة”، بهذه الكلمات يعبر الكاتب اللبناني قاسم مرواني عن اختياره للقصة القصيرة لا الرواية.

نشر مرواني مؤخرا مجموعته القصصية الأولى بعنوان “وجه مارغريت القبيح”، وفي تعريفه لنفسه في ظهر الكتاب نقرأ “مجهول باقي المعلومات”.

الوجه القبيح

اختار مرواني لمجموعته الأولى الصادرة عن دار نوفل –هاشيت أنطوان عنوان “وجه مارغريت القبيح”، جاعلا اختياره في التسمية يقع على الوجه بوصفه الجزء الأكثر علنية من الجسد، ليأتي مرض السرطان عيبا بيولوجيا، لا خيار للشخص فيه، ليجعل وجهها يتحول إلى القبح، يعقب مرواني على ذلك بقوله “إن المقصود ليس الوجه الفيزيائي المرتبط بالجسد، بل نستطيع تغيير العنوان ليصبح وجه الحياة القبيح أو وجه القمر القبيح الذي يظهر في مقدمة الكتاب والذي نتحاشى النظر إليه أو على الأقل لا نكترث لأمره”.

ويضيف “الناس يتغزلون بالقمر عندما يكون بدرا ولا ينظرون إليه في طور المحاق وكذلك بالنسبة إلى الحياة، الجميع يبحث عن الوجه السعيد والجميل لها ويغض النظر عما يجري في فنائها. موت مارغريت غير هذه القاعدة، كان الموت هو اللحظة التي غاب عندها الوجه الجميل ليحل محله وجه آخر. مارغريت هنا تعبير مجازي عن الحياة. هذا الكتاب يروي قصة رجل يتجول على هامش الحياة، ينظر إلى كل الأمور القبيحة والمأساوية التي تحدث ويشيح الآخرون بوجههم عنها، فيقوم بتوثيقها وكتابتها كما أحسها”.

لا تحمل مجموعة مرواني الأولى موضوعا واحدا يجمعها، إذ نلاحظ اختلاف الموضوعات التي تشملها، لكن تطغى عليها صفة السوداوية، وكأن مرواني يشهد آخر الحرائق أو آخر الانهيارات قبل الطوفان، ويعقب أنه يرى الموضوع الذي يجمع كل قصص الكتاب هو الوجه الآخر للحياة، والذي يتضح من خلال المقدمة ومن خلال الرسائل الموجهة إلى مارغريت بين كل قصة وأخرى.

الكتاب يروي قصة رجل يتجول على هامش الحياة، ينظر إلى كل الأمور القبيحة والمأساوية التي تحدث ويوثقها

ويستطرد ضيفنا “طالما أن موضوع الكتابة هو الوجه القبيح للحياة، من الطبيعي أن تكون السوداوية طاغية على الكثير من أجزاء الكتاب لكن ليس على كل القصص. في قصص كالحرب التي لم تعد لعبة، هناك العلاقة العائلية الدافئة، كذلك في قصة ‘أما آن للعجوز أن يترجل‘، حيث يرفض الرجل التخلي عن والده الخرف، كما لا نستطيع أن نصف قصة ‘حنين إلى أضنة‘ بالسوداوية، فهي وإن كانت تنقل واقعا كئيبا إلا أنها في الوقت نفسه تتحدث عن الكفاح الصادق من أجل قضية وعن غلبة الحب على الحقد. في ما يخص تعريفي عن نفسي فهي محاولة لفصل شخص الكاتب عني، بالنسبة إلي، للكاتب وجود مستقل في اللاوعي، قام بتخزين ما يؤثر به من مشاهداتي اليومية، وجوده يختلف عن وجودي المادي”.

محاولة هروب

يحضر فعل الكتابة والموقف منه في مجموعة مرواني القصصية بكثرة، وخصوصا في البداية وفي قصة “رواية لم تكتمل” إذ يقول إنها “فعل حقير” ثم في “رواية لم تكتمل” نرى الكتابة هزيمة، يعقب الكاتب بقوله “أن تكتب يعني أن تتعرى، أن تفرغ اللاوعي من المشاعر والمشاهد التي تضغط عليك لكي تخرج، لكنك تجاهد يوميا لكي تخفيها، الكاتب الجيد هو من يملك الخيال الكافي كي يبقى مختبئا خلف النص”.

موتيف الموت يحضر في مجموعة مرواني بوصفه مصيرا لا فكاك منه، بوصفه محركا إما للوحشية أو للاستسلام، فهل لمراوني خبرة سابقة شخصية مع الموت، وهل يرى الكتابة بوصفها مواجهة لهذا الموت أم استسلاما تاما له لدرجة أن الشخصيات “المتخيلة” لا تستطيع تجاوزه، يجيب مرواني عن هذه التساؤلات بقوله “لكل منا خبرته مع الموت، لكن التجربة تختلف بحسب علاقتنا مع الميت، أحيانا لا يكون موت أحدهم سوى موت بعوضة على جدار غرفتنا، خصوصاً في منطقتنا العربية، حيث أصبح الموت أمرا عاديا جدا لم نعد نتأثر به (للأسف). في مواضع أخرى يكون الموت مدويا، حتى بالنسبة إلى أكثر الناس إيمانا بحياة ثانية، يبقى موت شخص قريب لهم أمرا صعب استيعابه وتقبله وفهمه، لقد بقي الموت محافظا على غموضه على مدى الملايين من السنين. لذلك لا أعتقد أن الكتابة مواجهة لهذا الموت أو استسلام له بقدر ما هي محاولة لفهمه أو استيعاب فكرة النهاية”.

هناك نوع من فقدان الأمل لدى قاسم مرواني في مفهوم “البشرية”، وهذا اللاأمل نراه موجودا في المجموعة وخصوصا في قصتي “فلسفة محارب” و”ليلة في سجن 13”، وكأن الوحشية والكذب والتلاعب حالات لا يمكن تجاوزها، لكن هل تشكل الكتابة لدى ضيفنا في مجموعته وسيلة لانتقاد هذه اللاإنسانيّة أم هي استسلام لها وتسليم بالمصير، يعقب مرواني بقوله إنه في كتابه يوجه انتقاداته للحياة، إذ أن الإنسانية مفهوم مخادع ونسبي، يقول “عندما يقتل أحدنا كلبا نتهمه باللاإنسانية، لكننا نقتل الملايين منالأبقار والأغنام يوميا بدم بارد، ثم نحتفل فوق رائحة شوائها”.

مجموعة مرواني الأولى "وجه مارغريت القبيح" لا تجمع قصصها موضوعا واحدا لكن تطغى عليها صفة السوداوية

ويتابع “القتل والكذب والخداع والتجويع كلها أفعال لا تمت بصلة سوى للإنسانية، ولم تسهم المدنية الحديثة سوى في تجميل همجيتنا. الحياة كما يقول فرويد مليئة بالآلام والمتاعب وهي فوق ذلك بلا معنى ولا مجال أمامنا للهروب سوى بالفن، سواء بالكتابة أو الرسم أو الموسيقى أو أي فن يساعدنا على إسباغ بعض المعنى على حياتنا أو كما يقول سيوران ‘في الكتابة تأجيل الانتحار إلى موعد آخر‘. أنا لن أضيف شيئاً إلى ما قاله فرويد وسيوران، الكتابة مجرد محاولة هروب”.

لحم بشري

في “وجه مارغريت القبيح” يخاطب مرواني مارغريت، تلك الأنثى، التي تشبه الوجه القبيح للقمر، لكن هل لمارغريت وجود حقيقي في الواقع، يجيب مرواني بأنه حقيقة لا يدري إن كان لمارغريت وجود حقيقي أم لا، لربما كانت موجودة لكن لكثرة تفكيره بها، صار يعتقد أنها مجرد وهم، أو ربما كانت مجرد خيال لكثرة تواردها في الذاكرة فبات يعتقدها واقعا، أو ربما كانت عبارة عن تراكمات لنساء وأحداث مرت في حياته، لكن على الأرجح هي شيء آخر مختلف كليا عما كتبه.

لبنان الذي يكتب عنه مرواني قصصه محكوم بتاريخ العنف والخسارات إن كان بإمكان المخيلة الانعتاق من تاريخ العنف هذا، أم أنها دوما خاضعة له ولمحاولات انتقاده أو تفكيكه، يجيب مرواني بأن الكاتب يعتمد بشكل رئيسي على اعتصار ذاكرته وإخراج ما خبأته من أحداث وشخصيات، وأن دور الخيال يكمن في تغليف هذه الأحداث والذكريات في جسد قصصي، ستر ما يجب إخفاؤه أو زيادة ما تتطلبه الحبكة، ويضيف “بمعزل عن الحرب فإن ذاكرتنا في لبنان والعالم العربي عموما مليئة بالعنف بمختلف أنواعه، نحن نتعرض له يوميا ونشاهده يحدث أمامنا، عنف جسدي وسياسي واقتصادي واجتماعي. لا أعتقد أن بمقدور أي كاتب الإفلات من هذا العنف أو الكتابة بمعزل عما تختزنه الذاكرة”.

كتب مرواني “في المساء سأبحث سدى عن كلمة أصف بها هول المجزرة..” في ظل الموت الذي نشهده الآن، هل من جدوى من الكتابة برأي مرواني، هل نكتب لنغير، أم فقط نكتب لأننا عاجزون، يعلق أنه في ما مضى كانت كتابات أدباء النهضة في أوروبا، خصوصا فرنسا، مسببا لثورات عدة ونهضات عدة، ولم تنبع الثورة الشيوعية في روسيا سوى من كتابات كارل ماركس ومكسيم غوركي وغيرهما.

15