الكاتب الليبي أحمد الفيتوري: صورة جديدة للأب في الرواية

الكتابة تنبع بداية من الذات من ذاكرتها ومحصلة تجاربها، لكن النظر إلى العمل الإبداعي، وخاصة السردي، على أنه متماه مع ذات الكاتب وحياته وواقعه، هو نظرة سطحية لا تأخذ في اعتبارها أهم سمات الكتابة الإبداعية ألا وهو الخيال. “العرب” التقت الروائي الليبي أحمد الفيتوري بمناسبة صدور رواية “ألف داحس وليلة غبراء” التي تعتبر عوالمها شبيهة بعوالمه الذاتية.
الخميس 2016/07/14
لا قانون يمكن أن يختزل الإنسان ولا نظرية

ليست الكتابة معنية بالإجابة عن أسئلة من قبيل، هل الروايات محض خيال؟ هل التجربة الحياتية للكاتب تظهر بين ثنايا العمل؟ وغيرها من الأسئلة التي تشغل بال القارئ. في روايته الجديدة “ألف داحس وليلة غبراء”، يرفض الروائي أحمد الفيتوري القول إن السجين “هو”، ولكن في نفس الوقت يعترف بالاستفادة من تجاربه في عملية الكتابة، هنا يستعيد، أو كما ذكر “فن الاستعادة”، حيوات كثيرة من زمن ومكان ما ويمنحها الطزاجة. الرواية بمروياتها الثلاث فضاء مفتوح على تأويلات عدة.

حيوات طازجة

حول الرواية كمفردة يقول أحمد الفيتوري “الرواية أن تكون الجدَّةَ على الورق، تسرد ما أنت وتكتب ما ترى، أن تؤرخ ما جاشت به نفسك وما تجلى على روحك وخفي عن الآخرين، أن تروي ما لم يحدث وتجعله يحدث.

فالرواية كما التاريخ حديث عن الماضي حتى ولو كانت رواية مستقبلية، والرواية كما الشعر منطق الروح وملعب المخيلة وإن كانت واقعية، وعليه ليس ثمة نظرية للرواية وإن ادعى المنظرون عكس ذلك، فكل رواية هي نظرة في الرواية منذ ‘جحش أبوليوس‘ و‘ليالي بغداد‘ وحتى ‘عوليس جويس‘ و‘أبلق الكوني‘ وما سيستجد من روايات، فهي جنس كتابة خرج من معطف الملاحم والشعر والأساطير والقصص والمسرح والحكايات والخرافات والتاريخ، ليلتهم كل تلك الفنون، لتكون الرواية كل ما لا يندرج ضمن ذلك”.

عن روايته الأخيرة ودلالة عنوانها “ألف داحس وليلة غبراء”، وكأن الروائي أحمد الفيتوري يريد القول إن تاريخ العالم شديد التشابه، يقول المؤلف “الجواب لا يقرأ من عنوانه، فالعنوان كما أسماؤنا لا تشي بنا، لقد كنت أثناء الكتابة غارقا في يم الذاكرة، فالكتابة في عمومها فن الاستعادة، وحين كنت الغريق، كان الحال يجعلني أطفو وتلاطمني أمواج الحال، ما بين حال الكتابة وبين حال ما هو خارج الكتابة، كنت بين داحس وغبراء وبين ألف ليلة وليلة، وما يحدث من أهوال في يومي ويوم بلادي الذي يشوبه إرهاب المتطرفين، فالعالم شبيه بما ظننت أني تخيلته أو أنه كابوس يقظة، لذا كنت أكتب وأكتب لأحيا… ولهذا القارئ، القارئ يكتب: ألف داحس وليلة غبراء”.

الكتابة السردية ليست تجربة معاشة بل عملية بنيوية وتفكيكية في آن حيث حيوات تضطرم وتضطرب وتنمو وتنحل

الرواية سيرة للسجين، للوالد، للحي الذي ولد فيه بمدينة بنغازي، للأهل، للبلاد، للمكان، للتغييرات السياسية والاجتماعية من خلال ثلاث مرويات. فإن كان ضيفنا يريد كتابة رواية تاريخية، يعلق الفيتوري “السرديات سير ليست بمعنى السيرة الذاتية، ولكن السارد يتخذ من روحه مطية للسرد، ولهذا ففي كل شخصية مروية شيء ما من روح الراوي ومنه أن كل راو هو راو عليم. لكن ‘ألف داحس وليلة غبراء’ ليست رواية سجن. ثم إن الأب في روايتي كسر وخروج عن التنميط المفاهيمي للذكورية الأبوية، فهو في النهاية بشر ليس أكثر ولا أقل في زمان ومكان معينين هما حيويان في بناء شخصية الأب في الرواية، ولهذا لم أكتب رواية تاريخية من وجهة نظر إنسانية، بل كتبت رواية حيوات فاعلة وطازجة وحية، في مرحلة إنسانية مليئة بالتحولات الجذرية، مرحلة الحداثة والتحديث وديمقراطية الكربون”.

ويوضح الروائي حول موضوع السيرة الذاتية كمعين كاف لكتابة رواية، أن السيرة الذاتية حياة، فالرواية، عنده، بمعنى ما سيرة من معينها السيرة الذاتية، وحين تكتب عن شخصية ما في رواية تغرف من البئر الأولى التي هي ذاتك لكن لا تتوقف عند حدودها.

ويضيف “الكتابة السردية ليست تجربة معيشة بل عملية بنيوية وتفكيكية في آن. والرواية حيوات تضطرم وتضطرب وتنمو وتنحل، وفي صراع وعلاقات تتشابك وتتحلل … إلخ، هذا وغيره لا يستمد من التجربة الذاتية وإن كانت أساس العملية الإبداعية. من يعرفني سيتحدث عن أب: ألف داحس وليلة غبراء أنه أبي وأبي خباز، ولكن لو لم يكن أبي الطبيعي فهو أبي في كل الأحوال، وقد يفوت البعض أن هذا الأب في الحقيقة الروائية هو ابني بل أنا خالقه”.

الرواية برجوازية

هناك تشابه بين أحداث الرواية وحياة الكاتب خاصة في ما يتعلق بالسجن، يقول الفيتوري “أمبرتو إيكو عالم العلامات والروائي الإيطالي يذكر في كتابه ‘التأويل والتأويل المتطرف’ أن ناقدة تشيكية أولت في نقدها لرواية له أحداثا معينة بأنها من سيرته الذاتية، وكان حاضرا في المؤتمر الذي قدمت فيه ورقتها، فانبرى واصما تأويلها بالتأويل المتطرف، وأكد أن ما ذكرته الناقدة ليس له علاقة بسيرته وأنه من بنات خياله، حين عاد إلى بيته واستعاد ما حصل وفكر وبحث تبينت له دقة وصحة تأويل الناقدة وتأكد مما نوهت له. أريد أن أضيف أني سجنت لعشر سنوات ولكن حين أكتب عن السجن في هذه الرواية لا أكتب سيرتي ولكن أستفيد من تجربتي لا أكثر”.

الرواية ليست ملحمة البرجوازية

الرواية تسجل أو توثق جزءا من تاريخ ليبيا، ما يجعلنا نتساءل إن كان لزاما على الرواية أن تكون وثيقة لزمن ما؟ وهنا يلفت ضيفنا إلى أن الرواية ليست مطالبة بشيء، فهي التي تحدد مساراتها بذاتها ونسيجها والقماشة التي ينسج منها، ويعتبر أن روايته “ألف داحس وليلة غبراء” ليست وثيقة وهو ليس مؤرخا، فقد سرد مسرودات شخصيات عدة وفي أزمنة مختلفة حتى أن المكان لا يشار إليه إلا عابرا، فلم يستوح حقيقة واقع بعينه وإنما تجربة إنسانية في مكان وزمان معينين، وككل كتابة حتى عن المستقبل مرتكزها واقع ما وتجربة ما.

كانت التجارب الذاتية أو المحلية الضيقة محور الرواية، أما اليوم فقد باتت الرواية تتناول تجربة المجتمعات بالمتابعة والتحليل والنقد. ويرى الفيتوري أن الرواية منذ رواية “الجحش الذهبي” للصبراتي -نسبة إلى مدينة صبراتة في ليبيا-أبوليوس، كانت نثر الحياة، حيث النثر فن الفاعلية الاجتماعية الإنسانية، وحيث الشعر فن الروح.

ويتابع “قال بعض البحّاث إن الرواية ملحمة البرجوازية، وأنا لست مع هذا، ولم أر بالمرة أن تاريخ الرواية مبتدأه بوفاري فلوبير لكن رأيت الرواية في المشافهة وفي المنثور ومن هذا تعددت الروايات وطرق كتابتها ومواضيعها، وهناك روايات عدة كألف ليلة وليلة عند البشر، وتطورها وزخمها كما كل التجارب الفنية والإبداعية الأخرى، فإن لم يعد البشر يكتبون الملحمة، فليس هذا لأنه زمن الرواية، وإن لم يعد المسرح رائجا فلا يعني هذا أنه زمن السينما، ولا عدم انتشار دواوين الشعر يعني أن الشعر بضاعة كاسدة”.

يوضح ضيفنا “هذا يصح على مجمل الكتابة الإبداعية وعلى الفنون، فالرواية الآن وهنا تضرب في كل مضرب وتتناول وتعالج مواضيع عدة وأوسع وأكثر، وفي زمن الإنترنت والكتابة المختزلة والبرقية تروج روايات ضخمة وبالمئات من الصفحات، وفي مواضيع سيكولوجية وميتافيزيقية كرواية الروائية الكورية الفائزة لهذا العام بجائزة البوكر مثلا، لقد قيل لا قانون يمكن أن يختزل الإنسان ولا نظرية كذلك يمكن أن تختزل نتاجه، ولا أعتقد بما يروج من نظريات في الخصوص وتنظيرات من آل الميديا”.

15