الكاتب المصري مكاوي سعيد: أطالب بإلغاء وزارة الثقافة

الخميس 2014/01/30
يرصد مكاوي سعيد يوميات الثورة المصرية

القاهرة- كاتب مصري، تأسره تفاصيل الشارع بكل ما يحمله من جمال أو قبح، معجون بمفردات الحياة اليومية للمنبوذين والمهمشين في المجتمع الذين لا يغفل عن ذكرهم أبدا، إنه مكاوي سعيد صاحب “تغريدة البجعة” التي تمّ ترشيحها في القائمة القصيرة لنيل جائزة البوكر عام 2008، والتي عكف قبلها على الكتابة في الظل دون أن ينتبه أحد إليه.

بدأ مكاوي سعيد الكتابة في أواخر السبعينات حينما كان طالبا بكلية التجارة، حيث بدأ بكتابة الشعر والخواطر حتى أنه حصل على لقب شاعر الجامعة عام 1979، وعقب التخرج شرع في كتابة القصة القصيرة،التي فاز بعضها بجوائز في نادي القصة، ثم صدرت له أول مجموعة قصصية بعنوان “الركض وراء الضوء”، ولاقت قبولا رائعا في الوسط الأدبي، وتلتها بعد ذلك روايته الأولى “فئران السفينة” عام 1985 التي تحدث فيها عن أحداث 18 يناير وانتفاضة الطلبة آنذاك، والتي حازت على جائزة سعاد الصباح.


ميدان التحرير


عن عمله الأحدث “كراسة التحرير” قال مكاوي: “طوال فترة ثورة 25 يناير كنت أدوّن كل ما أشاهده بميدان التحرير في عدد من الكراسات، كي أستفيد منها في أي عمل أدبي مستقبلا، ولم يكن لدي نية لكتابة عمل عن الثورة لأنني لم أكن أعرف كيف ستنتهي الأمور، وعندما انتهت الثورة مؤقتا في الأيام الأولى ووجدت أن العديد من الكتب قد صدرت عن الثورة قمت بقراءتها جميعا، واكتشفت أن لديّ زوايا جديدة أريد الحديث عنها ولم يتناولها أحد، مثل الصوت والضوء في الثورة واللجان الشعبية في بعض المناطق وغيرها، وتابعت مع دار النشر لتتمّ طباعة الكتاب على هيئة كراسة ولكن تراجعنا عن ذلك،حيث وجدناه غير مناسب للقراء، ولكنني أصررت على تسميته بـ”كراسة التحرير”.

لا أكتب عن الجنس في أعمالي الأدبية إلا وفقا للسياق الأدبي داخل الرواية

وعن أوجه الاختلاف بين “كراسة التحرير” والكتب الأخرى التي تحدثت عن ثورة يناير مثل كتاب “الثورة الآن.. يوميات ميدان التحرير” للكاتب سعد القرش، و”أيام التحرير” للروائي إبراهيم عبدالمجيد، أوضح مكاوي أن كل الكتب التي تحدثت عن الثورة مهمة للغاية، لأن كل كتاب له رؤية مختلفة معتبرا كتابه مُكمّلا لهذه الكتب التي ستستخدم مستقبلا في التوثيق لأحداث الثورة من جوانبها المختلفة.


الأدب والثورة


وعن سبب عزوفه عن كتابة رواية تتناول الثورة المصرية، أشار إلى أنه لا يحبّ إقحام عمل إبداعي في الثورة أو العكس لأن ذلك يفسد العمل الإبداعي الذي تكون له ظروفه التاريخية والمشاعر المرتبطة به، مؤكدا أن الأعمال الأدبية عن الثورات مثل ثورة 1952 قد انتهت وانتهى الاهتمام بها بانتهاء الحدث والظرف التاريخي.

وبيّن أن كتابه “عن ميدان التحرير وتجلياته” لم يكن سوى مقدمة وبدايات لكتابه الأهم والأشمل “كراسة التحرير”، فقد كتبه لقصور الثقافة أثناء التحضير لكتابه، مشيرا إلى أنه يصدر له في المعرض مجموعة قصصية جديدة تحت عنوان “البهجة تحزم حقائبها” وهي مجموعة قصص كتبها في العامين الأخيرين.وأعرب مكاوي عن أمنيته في أن يكتب رواية جديدة حيث كان قد شرع قبل الثورة في كتابة بعض النصوص المتعلقة برواية جديدة ولا يدري هل سيعود إليها أم سيبدأ نصا جديدا.

وعلى تلك التطورات السياسية المصرية، قال مكاوي: الأوضاع الحالية بها جزء إيجابي حيث صار المصريون معنيين بشكل أكبر بالسياسة والدستور، بعدما كان شغلهم الشاغل أبعد ما يكون عن هذه الأمور، ولكن هناك جزءا سلبيا متعلقا بالمعاناة وبموروث الدم الذي لن تظهر نتيجته إلا في وقت متأخر، فضلا عن الانشقاقات داخل المجتمع والتي لم تكن موجودة في المجتمع المصري من قبل، فمن المعروف أن الشعب المصري مترابط، وهذا لم يعد موجودا.

كتاب تناول الأوضاع الحالية للشعب المصري

واستطرد قائلا: “الوضع الثقافي أكثر سوءا، فالذي يحدث هو إعادة تدوير الثقافة، فالوجوه هي نفس الوجوه داخل الوزارة، وأنا أطالب بإلغاء وزارة الثقافة وإنشاء مجلس أعلى للثقافة يدير الحركة الثقافية، ويكون مسؤولا عن المؤتمرات الثقافية الكبرى، وليس التدخل في كل شيء، فالمثقف ليس بصك تعطيه الوزارة حيث أن أغلب المثقفين الحقيقيين موجودون خارج الوزارة، فكل من دخل دروب وزارة الثقافة ليسوا مثقفين بقدر ما هم موظفون”.


المثقف ليس كاميرا


واعتبر مكاوي أن دور المثقف الحقيقي في الوقت الحالي أن يكون أكثر اهتماما بإبداعه عن طريق تقديم نماذج جيدة والتنبؤ بما سيحدث، فيجب على المثقف تفسير الوضع الحالي حيث أنه ليس كاميرا تسجيلية، ويجب تقديم زوايا مختلفة لما يحدث في الواقع.

وردا على سؤال حول سبب شغفه الدائم في رواياته بالحديث عن المهمشين والمنبوذين، أوضح مكاوي أن ذلك يرجع إلى قناعات الشخص وأبطاله الذين يعاصرهم ويعيش معهم بشكل مستمرّ، معتبرا نفسه واحدا منهم حيث عاش مهمشا فترة طويلة، يكتب ولايسمع به أحد إلى أن نجحت روايته “تغريدة البجعة”، قائلا “أنا مدين لهؤلاء المهمشين كما أنا مدين أيضا للأدباء الصعاليك الذين لا يهتمون بالمناصب أو الشهرة قدر اهتمامهم بإنتاج عمل أدبي متميز".

واستطرد مكاوي “تعلمت درسا مهمّا في بداية حياتي، وهو أن الأعمال الأدبية تقدّر بقيمتها الفنية وليس بكثرة عددها، فأنا أحب مثلًا كتابات صبري موسى القليلة ورواية “الشمندورة” لـ”محمد فريد قاسم” والتي لم يكتب غيرها، فالسباق لإصدار عدد كبير من الروايات لايصنع أديبا متميزا أو أعمالا مهمة، فالأهم هو التعاقد ما بين القارئ والكاتب، ولا بدّ من احترام القارئ بتقديم عمل مكتمل له”.

ونفى مكاوي أن يكون من الكتاب الذين يعتمدون في كتاباتهم على جرعة مكثفة من الجنس دون مبرر، قائلا: “لا أكتب عن الجنس في أعمالي الأدبية إلا وفقا للسياق الأدبي داخل الرواية، ففي رواية “تغريدة البجعة” مدح النقاد طريقة الحديث عن الجنس في الرواية، فشخصية زينب المنسحقة الريفية في الرواية كان لا بدّ من إظهار تفاصيل حياتها بشكل أوضح كي تظهر للقارئ، فأنا تصدمني العديد من الأعمال في الوقت الراهن التي تلجأ إلى الكتابة عن الجنس في الروايات من أجل الجنس ذاته ودون وجود أيّ مدلول”.

وأشار إلى أن أي كاتب لا بد أن تتسرب بعض من سيرته الذاتية داخل أعماله، فأيًا كانت الشخصية فإن الكاتب يضفي عليها من شخصه وحياته فضلا عن الخيال، فهذا دليل على الصدق والشعور بالشخصيات وحسن استحضارها، مؤكدا على ضرورة عدم اعتماد العمل بشكل كامل على ذاتية الكاتب ومشاكله الشخصية دون أن تمسّ العالم أو القارئ.

وأوضح أن ترجمة أعماله الأدبية إلى اللغات الأخرى قد ساهمت في زيادة مقروئيتها، لافتا إلى أنه لا يهتمّ بالترجمة بشكل كبير بقدر ما يصبّ اهتمامه على القارئ العربي، ولم يكن شديد الحرص على ترجمة أعماله، ولقد رفض بعض العروض لترجمة أعماله لمجرّد أنها من دور نشر صغيرة في الخارج.وأكد على أنه لايمكن الاعتماد على الجوائز في تقييم جودة العمل الأدبي قائلا: الجوائز تخضع لذائقة المحكمين، فلو كانت ذائقة المحكمين جيدة كانت الأعمال جيدة والعكس صحيح، فالقارئ سيظل هو أفضل مُحكّم، الجوائز مفيدة في أنها تلفت انتباه القارئ فقط للأعمال الأدبية المختلفة، ولكن هناك شيئا من الخطورة فمن الممكن أن يقرأ الجمهور العمل الأدبي الفائز بالجائزة ويكتشف أنه غير جيد، فيساوره الشك في نزاهة الجائزة.


تقليد الغرب


وتعليقا على الأعمال الأدبية التي وصلت للقائمة الطويلة للبوكر في هذا العام، أوضح مكاوي أنه لم يقرأ معظم الأعمال، ولكن بعض الأعمال التي قرأها تستحق الوصول للقائمة مثل “منافي الرب” لأشرف الخمايسي، و”الإسكندرية في غيمة” لإبراهيم عبدالمجيد، و”لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” لخالد خليفة وروايات أخرى تستحق إدراجها بالقائمة، ولكنها في النهاية تعتمد على بعض القواعد والمعايير الخاصة باللجنة المحكمة.

يعتبر كتابه مكملا لهذه الكتب التي ستستخدم مستقبلا في التوثيق لأحداث الثورة من جوانبها المختلفة

ولفت إلى أنه كانت هناك عدة مشاريع لتحويل روايته “تغريدة البجعة” إلى فيلم سينمائي فقد كتبها بلال فضل ولكنها توقفت بسبب مشاكل في الإنتاج، ثم كتبت لها السيناريو هالة خليل ولكنها لم تجد التمويل المناسب لها، والآن يحاول تنفيذها خالد الحجر ولكنه مازال يبحث عن منتج. وعن غياب التحرير (إعادة التقويم) في دور النشر المصرية، قال مكاوي: “أرفض حدوث ذلك، فنحن دائما نقلد الغرب دون فهم حقيقي لسبب ما يفعلونه، ففي الغرب يقوم بالتحرير مجموعة من الخبراء المتمرسين الذين لا ينتقصون شيئا من العمل الأدبي، فضلا على أن التحرير هناك صناعة ضخمة جدا يبذل فيها الخبراء أقصى جهد ممكن ليخرج العمل في أفضل صورة، أما في حال تطبيق ذلك بمصر، فذلك يعني أن العمل سيتمّ تحريره وفقا لذائقة المحرر التي ليس موثوقا بها بشكل كاف، فلا بدّ أن يكون المحرر محترفا بشكل كاف للقيام بهذا العمل كما لا بدّ من تقديم عائد ماديّ مقابل تحرير العمل كما يحدث في الغرب”.

ونفى مكاوي رغبته في أن يكتب الشعر مجددا، حيث أنه بدأ بكتابة الشعر في بداية حياته ولكنه في الوقت الحالي يرفض كتابة الشعر مؤكدا أنه رغم حبه لقراءة الشعر إلا أنه شعر بأنه لن يقدم أيّ جديد للكتابة الشعرية، واعتبر المستقبل للقصة القصيرة رغم عدم وجود اهتمام كبير بها، فالوقت الحالي يستلزم القصة القصيرة لأنها تناسب طبيعة العصر السريع.

________


* (خدمة أنا برس)

15