الكاتب النمساوي آرنو جايجر يطارد بالصور ذاكرة الأب

الموت في بعض الأحيان لا يأتي بالسرعة المرجوّة، وخصوصا عندما لا تصبح الحياة جيدة بما يكفي، عندها يدور الحديث بين الأقارب عن الموت الرحيم، في حين يكون من الأفضل أن يتحدثوا عن عجزهم في التعامل مع الوضع الذي تغيّر، والسؤال هو: هل يرغبون في إزاحة المريض عن معاناته، أم أنفسهم عن عجزهم؟ بهذه المباشرة تحكي الرواية النمساوية “ملك في منفى العمر” للمسرحي والكاتب آرنو جايجر عن معاناة والده مع الزهايمر.
السبت 2018/01/06
آرنو جايجر.. روايته أقرب إلى أدب الرحلة

في روايته “ملك في منفى العمر” يقرّ آرنو جايجر، المولود في بريغنز بالنمسا عام 1968 والمقيم حاليا في فورآرلبرغ، بأنه أراد أن يعطي نفسه وقتا لتأليف هذا الكتاب، فخلال السنوات الست التي استغرقتها عملية الكتابة كان يؤمّل أن ينهي العمل قبل أن يموت والده، يقول عن ذلك “لم أرد الكتابة عنه بعد موته، أردت الكتابة عن شخص حيّ، لأني رأيت أن أبي مثل أي إنسان آخر، يستحق مصيرا تبقى نهايته مفتوحة”.

رحلة في الذاكرة

يمكن وضع هذا النص ضمن حقل أدب الرحلة، حيث يمثّل مسيرة إنسانية عالية الإحساس منذ عتبته التي تبدأ بصورة مسروقة من ذاكرة بعيدة للكاتب، حين كان جدّه يقذفه بحجرة ما إن تطأ قدمه الحقل الخاص به.

لقد أصيب الجدّ وقضى سنواته الأخيرة يصارع الزهايمر، ذلك المرض اللعين الذي يمثل ثيمة الحكاية التي تُغرِق المتلقي بتفاصيل عديدة، ومسارات متنوعة يرافق فيها الكاتب أباه في رحلة عبوره خلال أصعب الأوقات التي نسي فيها كل شيء، عندما نقول هنا كل شيء، فإنها تعني كل الأشياء؛ البديهيات، أفراد العائلة، البيت، العلاقات الإنسانية، الطبيعة البشرية واحتياجاتها، آليات تناول الطعام، معنى مشاهدة التلفاز أو الاستماع إلى الموسيقى، إنها حالة تجعل الفرد واحدا بذاته رغم تواجد كل من يحيط به، هكذا يلخّص جايجر هذا الوضع.

الوالد الذي بدأ حياته فلاحا يميل بطبعه نحو الاستقرار، كانت الحياة عنده تقوم على ثلاثة أركان؛ البيت والأمان والاحتواء، لا يهمّ هنا من يحقق هذه الأشياء بعد إصابته بالزهايمر، لكن قبل هذا الوضع كان الانطلاق في الحياة عنده يعني المسير على شكل خطوط مستقيمة وليست متعرجة، يستخدم الكاتب لغة مباشرة عاطفية في حديثه عن التفاصيل، فيرحل مع والده نحو ذاكرة صارت عنده تعني الوهم البعيد سواء الذي حدث أم لم يحدث، هو لا يعلم بالضبط إن كان قد شارك في الحرب، كانت هناك صورة يحملها دوما معه إلى جانب صورة أمه حين تم اقتياده إلى الجندية، لكن مع فقدِها عام 1995 فقدَ كثيرا من الأشياء إلى جانبها، كان ذلك العام هو عام إصابته بالزهايمر.

الدوائر السردية في النص شبه غائبة، لتظهر بدلا منها مستويات السرد، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي

خلال بحث الكاتب عن ماضي والده البعيد لكتابته، كان الأب يفاجئ ابنه بأشياء فانتازية غرائبية، مثل الادّعاء أنه تمّ اقتياده طفلا إلى مصر واليونان، لقد كان عبدا في ذلك الوقت، هو لم يرَ شيئا من تلك البلاد؛ رحلةٌ متخيَّلةٌ غالبا ما تبقى أبواب نهايتها مفتوحة كما البدايات فيها على النسيان الكلي.

“ملك في منفى العمر” تضع تصورات كاملة عن حياة مريض الزهايمر، فهذه الحالة داهمت الوالد فجأة وبدأ المرض يدبّ إليه بخطوات بطيئة ومحيِّرة، حتى إنه كان من الصعب إدراك أهمية التغيرات التي تعتريه إدراكا سليما، فقد كانت الأعراض تتسرّب إليه كالموت في أسطورة الفلاح، عندما كان الموت يقف ببابه ويجلجل بعظامه دون أن يسمح لأحد برؤيته، يقول الكاتب “كنا كمن يسمع أصواتا ويظنها صفير الريح الذي يمرّ خلال بيته الذي بدأ يتداعى ببطء وهو لا يدري”.

البناء السردي للنص تضمن كثيرا من الإضاءات المستندة على ما يبدو إلى أبحاث مكثّفة أجراها الكاتب قبل وأثناء عملية التدوين، فالمتلقي يخرج بمعلومات وفيرة عن هذا المرض وحالاته بعد قراءة المذكرات، مثلا “كل مريض بالزهايمر يختلف عن الآخر، والتعميمات عادة تكون غير دقيقة، ولكن الأمر المشترك بين مرضى الزهايمر جميعا هو عدم إمكانية سبر أغوارهم، فكل مريض حالة مفردة، له قدرات ومشاعر ومسار مختلف لمرضه”، وأيضا في حديثه عن والده يقول “لم يفقد إحساسه بالزمن كليّة، لكن ساعته البيولوجية لم تعد سليمة، والأمر المحيّر هو أنه لم يفقد معرفته بضياع قدراته”.

هذا النص يمكن وضعه ضمن حقل أدب الرحلة، حيث يمثل مسيرة إنسانية عالية الإحساس منذ عتبته الأولى

دوائر سردية

“ما أهم شيء في الحياة يا أبي؟ لا أعرف لقد عشت أشياء كثيرة. هل تذكرت شيئا يا أبي؟ المهم أن يكون حديث الناس عنك طيبا، فهذا يجعل كل شيء أسهل. وماذا تكره يا أبي؟ عندما أضطرّ إلى اتباع الآخرين، فلا أحب أن يسوقني الآخرون على غير هدى. ومن يسوقك على غير هدى؟ في هذه اللحظة تحديدا لا أحد”.

هذا مقطع من الحوارات المنثورة في الرواية، يعمد الكاتب في هذه المقاطع التي يلتقي فيها مع والده بلحظات صفاء ذهني كامل، إلى إظهار جانب الحكمة التي لا يلقي مصاب الزهايمر لها بالا، الحكمة هنا تعني إطلاق الأشياء كما هي، والتعامل مع الأحداث على أنها جزء من مرحلة وليست قائمة بحد ذاتها.

الدوائر السردية في النص تكاد تكون غائبة، لتظهر بدلا منها مستويات السرد، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي؛ الداخلي يحيله الكاتب دائما إلى المجهول، إلى العدم، حيث ذلك العالم غير معروفة فيه دوافع الأفعال، كحالة الوالد عندما يطلب دوما وهو في المنزل الذهاب إلى منزله، المحيطون به لا يستطيعون معرفة أيّ منزل يقصد والدهم، أما الخارجي فإنه عن لحظات صفاء مطلق في مراقبة أفعال الوالد وتدوينها بكثير من الألم الواضح، حيث يدفع الكاتب الكلمات دفعا لتكون في بنية منسابة رغم عمليات التقطيع في السرد.

ونذكر أن رواية “ملك في منفى العمر” لآرنو جايجر صدرت بنسختها العربية عن مؤسسة هنداوي للنشر والثقافة في مصر، وقد ترجمها عن الألمانية أستاذ الأدب الألماني الحديث في جامعة عين شمس صلاح هلال.

14