الكاتب باعتباره سلعة

الأحد 2016/10/09
عملية تفتقد إلى معاني العدالة والمساواة

في مزاد علني غير مسبوق، بيعت، قبل أيّام قليلة، في لوس أنجلس، حفنة من رفات الكاتب الأميركي ترومان كابوتي (1924-1984)، في علبة خشبية، مقابل 43 ألف دولار.

الخبر تداولته صحف ومواقع أميركية وبريطانية، ومرّ، بشكل سلس، من دون أن يثير ردود فعل حقيقية، فهل يُعقل أن يتحوّل كاتب إلى سلعة، في حياته، ويُباع ويُشترى أيضاً بعد مماته؟

بعض المتابعين علّقوا على الأمر بسخرية، بأن الأمر ليس سوى تعبير عن حياة كابوتي السّوداوية، التي خاص فيها في كلّ الممنوعات، فقد كان صعلوكاً، غاضبا من العالم الذي عاش فيه، قلقاً، رافضاً للقوانين الإنسانية، سكّيراً، ومدمنا على الكوكايين، فبعد صدور روايته “بدم بارد” (1965)، دخل حالة متقدّمة من الإحباط، استمرت معه حوالي عشرين عاما، حتى آخر أيّام حياته، ليموت متأثراً بخثار وريدي، وبأعراض سرطان الكبد.

هل هذه الكآبة التي عاش فيها ترومان كابوتي، كانت لتبرّر التّفكير في بيع رفاته؟ هذه ليست المرّة الأولى التي تحصل فيها وقائع مماثلة، ففي السّبعينات من القرن الماضي باعت صالة مزادات في باريس ما كانت تعتقد أنه “شيء” يتصل بفحولة نابليون بونابرت، وبيع في مزاد آخر، مطلع السّنة الجارية، حصى استئصل من كلية الكاتب والممثل الكندي ويليام شاتنار، مقابل 25 ألف دولار!

تعوّدنا، في العقود الماضية، على متابعة مزادات تُعرض فيها أغراض حميمة لكتّاب متوفين مثل مارسيل بروست، فيكتور هيغو، تولستوي، جيمس جويس، وغيرهم، كلّهم كتّاب تحوّلت مقتنياتهم الشّخصية بعد وفاتهم إلى سلع تذهب عائداتها إلى جمعيات أدبية أو خيرية أو إلى ورثتهم. لكن الشّيء الذي لم نتعوّد عليه، هو أن تتحوّل جثّة كاتب ورفاته إلى بضاعة كما في حالة ترومان كابوتي، فقد عاش الرّجل حياة متواضعة، حدّ الفقر أحياناً. لم تكن له مقتنيات كثيرة مهمّة، هذا ربما ما دفع ورثته للبحث عن «مادة» منه، تحقّق بعض المال، ووجدوها في علبة خشبية كانت تحتوي حفنة من رفاته، وكانت بحوزة زوجته الأخيرة جوان كارسو (التي توفيت العام الماضي).

فكرة تحويل كاتب ما أو مقتنياته الحميمة إلى سلع تُباع، ويتداولها النّاس وأشخاص مجهولون -ليست لهم بالضرورة علاقة بالأدب- في المزادات وفي مواقع تجارية على الإنترنت، تبدو غير متناسقة مع جوهر الأدب نفسه، فكثير من الكتّاب المعروفين لم تنجح كتب لهم في حياتهم، لكنهم صاروا نجوماً بعد وفاتهم. الشّاعر الفرنسي بول فارلين (1844-1896) مثلاً، لم يكن يبيع في حياته أكثر من ثماني نسخ من ديوان شعر له، وبعد وفاته بسنوات صار يُعاد طبع دواوينه كلّها وتباع بالآلاف سنوياً، كما أن بعضا من مخطوطاته وكراريسه بيعت، وأمكنة عاش فيها صارت مزارات يدخل إليها النّاس مقابل رسوم مالية.

كما أن العملية ذاتها تفتقد إلى معاني العدالة والمساواة، ففي لحظة المزادات، ترتفع قيمة مقتنيات كاتب ما وتنخفص بحسب المضاربين، وليس بحسب أهميته الأدبية، ونجد من معاينة ما بيع من أغراض بعض الكتّاب أن كتّابا عاديين بيعت مقتنيات لهم بأثمان مضاعفة مقارنة بأغراض كتّاب آخرين مهمين وأكثر تأثيراً في الأدب.

بالمقابل، هناك جانب مُضيء في العملية، وهو هذا الاهتمام الغربي بالكتّاب، سواء في حياتهم أو بعد مماتهم، على العكس تماماً مما هو عليه الوضع في العالم العربي. هل نتخيّل مزادا تُعرض فيها أغراض كاتب أو شاعر عربي؟ قد يحصل هذا، لكن الاهتمام به لن يخرج عن فئة بعض المتعلّمين وليس من الطّبقات الشّعبية في المجتمع. الكاتب العربي غير متصالح مع مجتمعه، وغير قادر على إقناع أبناء وطنه بما يكتب، وغير قادر على التّرويج لبضاعته في حياته، فكيف نفكر إذن أن نجعل منه سببا في عائدات مالية بعد رحيله؟ هنا إذن يكمن واحد من الفوارق الجوهرية بين المجتمعين الغربي والعربي في العلاقة مع الأدب ومع الكتّاب.

كاتب من الجزائر

11