الكاتب بقلمه

الأحد 2016/09/18

الكتابة عن الذات مسألة غاية في الأهمية من جهة، وغاية في الصعوبة من جهة أخرى .أقصد طبعا الكتابة عن الذات بشكل أدبي مميز بعيدا عن التبجح بها، وبعيدا في الآن نفسه عن تقمص لعبة التواضع الزائف. من هنا فالكاتب حين يكتب عن نفسه يجب أن يتوخى تجنب هذين الأمرين كي يصل بكتابته عن ذاته إلى مرحلة الإبداع الثقافي المميز.

أستحضر هنا الروائي غابرييل غارسيا ماركيز وهو يتحدث عن حياته في رائعته الأدبية “عشتها لأحكيها” كما أستحضر الشاعر بابلو نيرودا في رائعته هو الآخر “أعترف بأنني قد عشت” وهو يقوم بنفس الأمر. في هذين الكتابين تألق كبير في الحديث عن الذات وسبر أغوارها وتحديد أهم المراحل التي مرت بها هذه الذات، إن على المستوى الحياتي أو على المستوى الإبداعي، بحيث لا يكاد يشعر القارئ بأن الكاتب يستعرض عليه سيرته الذاتية، بل إنه ينغمس في عوالمها بلذة ومتعة كبيرتين. وهو الأمر الذي منح لهذين الكتابين شهرة واسعة وامتدادا عميقا في التربة الثقافية العالمية.

نجد أيضا نوعا آخر من الكتابة عن الذات لكن بصحبة كاتب آخر، بحيث يطرح هذا الكاتب الآخر أسئلة معينة تتعلق بالأساس بحياة الكاتب المعني، فيجيب عنها هذا الأخير بكثير من الصراحة. لكنها طبعا تظل في معظم الأحيان صراحة غير مطلقة بتعبير الكاتب يوسف إدريس. لكنها مع ذلك تشكل سيرة حياتية للكاتب المعنيّ وتمنحه فرصة لكتابتها بشكل حواري رائع. وفي بعض الحالات الأخرى يقوم كاتب محدد بالكتابة عن كاتب آخر بشكل يحيط بعوالمه الحياتية والجوانب التي أثّرت في إبداعه، بحيث تبدو كتابته وكأن الكاتب المعنيّ بها هو من كتبها أصلا. وهو ما يجعل من كتاباته هذه تدخل ضمن سلسلة “الكاتب بقلمه”، وهي سلسلة ثقافية عرفت ذيوعا كبيرا في الثقافة العالمية لا سيما في الثقافة الفرنسية حيث تم فيها تقديم معظم الكتاب الفرنسيين من شعراء وروائيين وغيرهم بشكل يقرّب القارئ من حيواتهم واهتماماتهم الثقافية. ومن بين الكُتاب العرب الذين تم الحديث عنهم تحت هذا العنوان الجميل “الكاتب بقلمه” نجد الكاتب نجيب محفوظ، فقد تمت عملية ترجمة كتاب جمال الغيطاني “نجيب محفوظ يتذكر” إلى اللغة الفرنسية، تحت عنوان آخر هو “نجيب محفوظ بقلمه”. وهو عنوان يناسب الذائقة الثقافية الفرنسية بشكل كبير، لأنه يحيل إلى السلسلة الأدبية الشهيرة التي أشرنا إليها فيما سبق من حديث.

هناك أيضا نوع آخر من الحديث عن الذات يسير في نفس هذا الاتجاه الحواري الثقافي، لكنه يأخذ عنوانا آخر لا يقل جاذبية عن عنوان “الكاتب بقلمه”. هذا العنوان هو “هكذا تكلم الكاتب”. وهو عنوان يستحضر عنوان الكتاب الشهير للفيلسوف فريديريك نيتشه “هكذا تكلم زرادشت”. وقد ظهرت مجموعة من الكتب الحوارية في الثقافة العربية التي انتهجت هذا السبيل، ومنها كتاب الصديق الأديب أحمد الدمناتي الذي أجرى معنا حوارا طويلا نشره في كتاب حمل عنوان “هكذا تكلم نورالدين محقق”.

هكذا نرى أن الكتابة عن الذات بشكل أدبي تتخذ أشكالا متعددة، منها ما هو مباشر كأن يكتب الكاتب سيرته الذاتية ويقوم بعملية نشرها تحت عنوان صريح كما فعل الكاتب أحمد أمين حيث أطلق على كتابه الذي تحدث فيه عن حياته عنوان “حياتي”، أو كما فعل الكاتب عباس محمود العقاد الذي أطلق عنوان “أنا” على كتابه الذي تحدث فيه عن مسارات حياته هو الآخر، ومنها ما هو غير مباشر كما فعل الكاتب طه حسين الذي أسمى سيرته الذاتية باسم “الأيام” ، وهو عنوان قويّ ومعبّر.

إن الكتابة عن الذات مسألة رائعة جدا ذلك أنها هي أساس الأدب ومنبعه الأصلي الذي لا يجف أبدا. فقط يجب أن يحضر فيها الإبداع بشكل جميل.

كاتب من المغرب

11