الكاتب شاكر النابلسي يترجّل

الثلاثاء 2014/01/14
"الجنسانية العربية" آخر إصدارات النابلسي

عمان - توفي قبل أيام في الولايات المتحدة الأميركية الكاتب والناقد الأردني شاكر النابلسي عن عمر ناهز 73 سنة. درس النابلسي في مصر وأميركا، وأقام بالسعودية زهاء ربع قرن، ثم استقرّ بمدينة دنفر بولاية كولارادو الأميركية، أين تفرّغ للبحث العلمي والتأليف؛ وقد أصدر الراحل ما يزيد عن خمسين مؤلّفا كان آخرها كتاب “الجنسانية العربية”.

انصبّ اهتمام الكاتب شاكر النابلسي على تفكيك القضايا الشائكة التي يعيشها الفكر العربيّ الراهن على غرار مسائل الإصلاح والإسلاميات والحداثة. وهو أمر جعله واحدا من أكثر الليبراليين العرب الذين نهجوا في مقارباتهم الفكرية منهج الرصانة والجرأة والابتعاد عن الوجدانيات الوطنية.

تربطني بشاكر علاقة صداقة وعمل، صداقة ناشر مع مؤلف، امتدّت قرابة ثلاثين عاما.

قبل هجرته إلى الولايات المتحدة الأميركية، كنت التقيت به في جدّة وعمان وبيروت والقاهرة مرارا، وفي الآونة الأخيرة التقيت به لآخر مرة في منزله في مدينة دنفر بولاية كولارادو الأميركية بصحبة ولدي عبدالوهاب وقد احتفى بنا الراحل كثيرا خلال أيام زيارتنا للمشاركة في معرض الكتاب.

يعود الفضل لشاكر النابلسي في أنه هو الذي عرّفني على الأديب والسياسي الراحل غازي القصيبي عندما كان سفيرا للسعودية في مملكة البحرين قبل ربع قرن، فنشرنا للقصيبي معظم كتبه التي تجاوزت عشرين كتابا تنوّعت بين رواية وشعر وسيرة ومواضيع إبداعية أخرى.

وأذكر أنه عندما نشرنا له كتابه “الضوء واللعبة: دراسة في شعر نزار قباني” كنت في زيارة لمدينة جنيف، وخلال هذه الزيارة دعاني إلى العشاء، في مطعم فاخر، آلان بيطار، صاحب المكتبة العربية، وكان من بين المدعوين نخبة من الأدباء منهم الشاعر الراحل نزار قباني والشاعرة سعاد الصباح وإلياس خوري وعيسى مخلوف وآخرون.

ترك الراحل شاكر النابلسي كما كبيرا من المؤلفات نذكر منها تلك التي نشرناها له عبر سنوات طويلة في نقد الشعر والرواية والقصة القصيرة

وفوجئت بنزار يقدّمني إلى سعاد الصباح قائلا: “أقدّمك إلى الناشر الذي نشر كتابا يهاجمني، وضعه شاكر النابلسي بإيعاز من السعودية”. فقلت له: “سامحك الله يا أخي نزار على هذه التهمة! أنت تعلم مكانتك وعلوّ شأنك لدينا”، ودافع عني في حينه عيسى مخلوف وقال لنزار قباني: “إنّ الكتاب موضوعي، يظهر إيجابياتك وسلبياتك”.

وفي زيارتنا لمنزل الأديب الراحل رجاء النقاش في الدقي بالقاهرة قدّمته، خلال حفل العشاء هناك، إلى الشاعر محمود درويش بحضور الشاعر سميح القاسم والروائية فوزية رشيد وآخرين.

كان شاكر قد أصدر كتابه عن محمود درويش بعنوان “مجنون التراب” ويبدو أن محمود رحمه الله لم يتحمّس كثيرا لعنوان الكتاب، فعندما سأله أحدهم في الجلسة عن انطباعه عن الكتاب اكتفى بقوله: “ضخم في حجمه”. عندما انتقل شاكر إلى الولايات المتحدة قام بتأسيس دار نشر اسمها Harvestone books وكلفني بالاتصال مع محمد عصفور لترجمة رواية الراحل مؤنس الرزاز “اعترافات كاتم صوت”، ولكن الدار تعثرت ولم تستمرّ.

وأشير أيضا إلى أن علاقته بالصحافة العربية والإعلام عموما، كانت ثرية وخصبة، لا سيما وأنه دأب على نشر مقالاته السياسية في عدد كبير من الصحف على امتداد الوطن العربي سواء في الخليج أو في دول أخرى.

تميّز شاكر بأنه شخصية وفية ومعطاء، ذكية في التعامل مع الآخرين وفي متابعتها للشؤون العربية العامة، ولأن طبيعة شؤوننا العربية خلافية، فقد انعكست على مواقفه السياسية.

ترك الراحل شاكر النابلسي كمّا كبيرا من المؤلفات أذكر منها تلك التي نشرناها له عبر سنوات طويلة في نقد الشعر والرواية والقصة القصيرة، مثل: “رغيف النار والحنطة: دراسة في الشعر العربي الحديث” عام 1986، و”عاشق خزامى: حفريات الحب والحكمة، دراسة في شعر خالد الفيصل” عام 2006. وهناك كتب في نقد الموسيقى والفن التشكيلي والثقافة، منها “الأغاني في المغاني: السيرة الفنية للشيخ إمام عيسى” سنة 1998، و”أكله الذئب” وهو سيرة فنية للرسام ناجي العلي وقد صدر عام 1999. كما كتب النابلسي مجموعة من المؤلفات التي تركّزت على نقد الفكر والفكر السياسي والسياسة، منها “الرجم بالكلمات” الصادر عام 1989، و”محامي الشيطان” وهو دراسة في فكر العفيف الأخضر، وصدر سنة 2005، و”قطار التسوية” وهو عبارة عن دراسة لكافة مبادرات التسوية الفلسطينية، صدر عام 1986، و”أسئلة الحمقى” ويتناول موضوع الإسلام السياسي، ونشر سنة 2005، و”الجنسانية العربية: أركيولوجيا تاريخ الجسد العربي” وفي مقدّمته يقول النابلسي ردا على سؤال لماذا تكتب كثيرا: “أكتب كثيرا، كي أعرف كثيرا.

وأنقل إليكم ما قرأته وتعلمته. الكتابة لدي تحمل جميع الاحتمالات في داخلها، وهي مفتوحة للنفي والتأويل، وليست نصا مغلقا”. وهو ما يشي بتنوع اهتمامات النابلسي الأدبية والفكرية والسياسية.

14