الكاتب طفل مدهوش والطاغية مستبد بليد

صدر هذا العام الكتاب المصوّر “عربي المستقبل 2” للفنان الفرنسي من أصل سوري رياض صطوف، الذي صدر الجزء الأول منه في العام السابق، ليكمل فيه سرد أجزاء من سيرة طفولته في سوريا بين (1984-1985). الكتاب في جزئه الثاني يحمل في داخله انتقادات هائلة للأنظمة الدكتاتوريّة وخصوصاً في ليبيا وسوريا اللتين زارهما صطوف في طفولته.
الأربعاء 2015/09/16
الصورة المعبرة في النهاية تحمل معنى جديداً للسوريين الشاهدين على الموت والقتل اليومي

كالجزء الأول من كتاب “عربي المستقبل” لرياض ضطوف، تحضر دهشة واستغراب الطفل رياض من الحياة في ظل النظام الدكتاتوري السوري في الثمانينات، لنرى بعيني الطفل “المحايد” نوعاً ما حالة قريته الواقعة في ريف حمص (تير معلة)، ليكون القارئ بذلك أمام تجربة مثيرة ومحزنة في ذات الوقت، خصوصاً لمن عايش التفاصيل التي يتحدث عنها الكتاب، كحالة التدريس والضرب في المدرسة أو جرائم الشرف التي يتم تجاهلها، إلى جانب مأساة التبجيل الدائم لـ(القائد الخالد، والد سورية الحديثة، حافظ الأسد).

الهامش السوري

الجزء الثاني يُمعن في جوانب الحياة اليومية للقرية السورية، التي نرى الطفل رياض مدهوشاً منها، لنرى بعدها هذه التفاصيل المحكومة بالمنطق الشمولي تتسلل إلى تكوينه كطفل سواء عبر ما يخطر له من أفكار أو أحلام أو حتى على صعيد تصرفاته اليوميّة. (عربي المستقبل) -سواء الجزء الأول أو الثاني- يصنّف ككتاب مصوّر، أشبه بوثيقة بصرية كرتونية لما شهده صطوف في طفولته، لكن التساؤلات المطروحة عن الصورة النمطية التي يصدّرها الكتاب ما زالت تثير الجدل.

إذ أن جزأي الكتاب صدرا بعدة لغات أجنبية، ولم يصدرا بالعربية أو ترجما إليها، وكأنه موجه للغرب فقط، كما نراه يكرّس الصورة النمطية عن الرجل الشرقي مثلاً، فالزوجة الفرنسية -والدة رياض- مقموعة ولا تجادل بالقرارات المصيرية، كما أن النساء الأخريات في القرية مقموعات بصورة أكبر ولا يشاركن بشؤون الحياة التي ترتبط بالقرارات المصيريّة، وخصوصاً المُسلمات ذوات الزيّ التقليدي ذي المرجعيّة الدينيّة، إلى جانب التلميحات الطائفية الواضحة التي يشير إليها الكتاب والفروقات المرتبطة بهذه الطوائف.

كما أنّ الكتاب يستعرض قسوة النظام الشمولي في سوريا إبان حكم حزب البعث، وسطوة الدكتاتور حافظ الأسد ذي الصور والتماثيل المنتشرة، إلى جانب موقف والد رياض الذي يبدو وطنياً، إذ رفض الحياة في فرنسا وعاد إلى سوريا في ظل الديكتاتورية –التي يشير إليها والده حرفياً- في تلك الفترة وقبلها ليبيا، ليبدو هذا الموقف نوعاً من الرغبة في المشاركة في بناء سوريا وتعليم أجيالها، بالرغم من وجود الدكتاتور، الذي يدّعي أنه يبني سوريا الحديثة، ليبدو والد رياض أبلهاً نوعاً ما في موقفه من هذا الحُكم، أو مأخوذاً بأحلام الدولة القوميّة الحديثة.

الكتاب يحمل في داخله انتقادات هائلة للأنظمة الدكتاتوريّة وخصوصاً في ليبيا وسوريا اللتين زارهما صطوف في طفولته، إلا أن الانتقادات الموجهة ضد الكتاب بأنه يكرّس الصورة النمطية والتخلف في المنطقة لا تبدو دائماً محقة، إذ يمكن التعامل مع الكتاب من جانبين، الأول، أنه يروي التجربة الشخصية لصطوف الطفل في قرية سوريّة شبه منسيّة، والآخر أنه رسوم مصورة تقوم في أساسها على التضخيم أو الغروتيسك بصورة كاركاتورية لنقل الفكرة أو (الحدث–الفعل) بصورة مكثّفة وسريعة، إلى جانب تضخيم العيوب واستعراضها بصورة فكاهيّة من جهة وانتقادها من جهة أخرى.

كتاب يحمل في داخله انتقادات هائلة للأنظمة الدكتاتورية

أما الاختلاف في تناول تجربة صطوف فيرتبط بأنه فرنسي أيضاً ووجّه كتابه للغرب، ما يجعل الانتقادات ضده بوصفه يكرّس رؤية استشراقيّة منطقيّة، لكن مع ذلك لا تبدو محقة، لأن ما يحويه الكتاب حقيقي ومعايش من قبل أجيال من السوريين، يضاف أن هذا ليس الكتاب الأول لصطوف في هذا المجال، ما يجعل الانتقادات الموجهة ضده بوصفه باحثاً عن الشهرة لا تبدو منطقيّة سوى أنها محاولة لإنكار التاريخ الذي مرت به سوريا وإخفائه بأحلام رومانسية أو بمنطق الدفاع عن الشرف.

الاختلافات الاجتماعية

الاختلافات التي يشير إليها صطوف وخصوصاً وضع المرأة ترتبط بالوضع الحساس لمدينة حمص واختلاف الطوائف فيها، كذلك المقارنة بين الريف والمدينة من ناحية العمران والأفراد، إلى جانب الإشارة إلى الفقر الذي كان يشهده الريف في تلك المرحلّة، كندرة الأطعمة والمنتجات التكنولوجية إثر الحلف مع الاتحاد السوفييتي والمقاطعة التي تعرضت لها سوريا في تلك الفترة.

تحضر في “عربي المستقبل 2” طبيعة التربيّة والتعليم في ظل النظام السوري بدايات تأسيسه، فالانقلاب الذي قام به حافظ الأسد لاحتكار السلطة يحضر دائماً، حتى على لسان الأطفال، ودوره كأب خالد وإسهامه في “قتل الأعداء اليهود” لتمكين حكمه تُزرع في عقولهم، ليبدو موقف الأطفال من اليهود لا الإسرائليين بوصفهم أعداء محزناً، ما ينعكس على رياض صطوف، لاعتقاد أقرانه بأنه يهودي بسبب شعره الأشقر أو لكونه فرنسيا وبالتالي هو يستحق القتل كما تعلموا في المدارس وعلى ألسنة آبائهم.

كل هذا لا يقارن بمأساة جريمة الشرف التي شهدها رياض وأسرته والتي تجاهلها سكان القرية وتمكن فاعلوها من الفرار، في حين أن آل صطوف تعرضوا للانتقاد بسب موقفهم الرافض لترك “القتلة” أحرارا. النهاية المجازية التي يحملها الكتاب تضرب في عمق تكوين النظام السوري وما زرعه في عقل الأجيال عبر مؤسساته، فالقاتل يمشي في الشارع بصورة عادية ويلقي السلام على المارة، الصورة المعبّرة في النهاية تحمل الآن معنى جديداً للسوريين الشاهدين على الموت والقتل اليومي من قبل النظام السوري وآلته العسكريّة.

14