الكاتب في إجازة

الجمعة 2015/06/12

العنوان السابق هو لمقالة من سلسلة مقالات للناقد الفرنسي رولان بارت نُشرت عام 1957 في كتاب بعنوان (أسطوريات)، يحاول فيه بارت رصد “الأساطير” المعاصرة المحيطة بنا من وجهة نظر سيميولوجية، يناقش بارت في المقالة السابقة مفهوم الإجازة والكاتب ودور علنيّة العطلة في نزع القدسية والهالة المحيطة بالكتّاب، إذ تثير صورة الكاتب الدهشة بوصفه يأخذ إجازة من فعله “المقدس″، أي الكتابة، لتبدو عليه صفة “الكادح” الذي لا بدّ له من الاستراحة، إذ تسهم صورة الكاتب أثناء عطلته في تجاوز فكرة البرجوازية الثقافية عن طبيعة الكاتب المقدسة ليبدو أكثر إنسانيّة، ويبيّن بارت أن هذه الدلالة الجديدة للصورة سببها الصحف التي تنشر صورا مختلفة للكتاب وخصوصا وقت الإجازة إذ من الممكن أن نرى الأخير يرتدي الجينز أو على الشاطئ بحيث تبدو الصور على حد تعبير بارت: تزييفا ماكرا للموهبة.

موقف بارت نابع من سياسات تتبعها بعض الصحف لالتقاط اللحظات اليومية للكاتب كجزء من طقسه البشري الاعتيادي، بحيث تحاول نزع الصفات الإلهية المحيطة بصورته وجعله يشبهنا، وكأنها تحاول أن تخفي “موهبته” بزي عادي، فمفهوم الكاتب هو أقرب إلى مفهوم البطل الخارق أو ذي الموهبة الإلهية حسب تعبير بارت، لكن تلك المقالة كتبت في الخمسينات ولم يكن هناك وسائل اتصال تمكن أيّا كان، ليس فقط الكاتب، من أن يبث وينشر صوره للعلن كيفما يريد، أما حجة بارت حول مفهوم القدسية والموهبة الربانيّة التي يتمتع بها الكاتب نابعة من التناقض بين الصورة النمطية للكاتب بوصفه منعزلا ذا حياة سريّة وبين حياته اليومية، هذا التناقض هو ما يرسخ المفهوم الأسطوريّ.

أما الآن، كيف نرى الكاتب في إجازة؟ الكثير من الكتاب شعراء وروائيون، يمتلكون حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى جانب الصحف وما توفره من نصوص وصور حول الكتاب، تعتبر صفحات التواصل الاجتماعي أحيانا منبرا بديلا، حيث يستطيع الكاتب التحكم فيه شخصيا وكيفما يريد، ما حصل أن العديد من “الكتّاب” أصبحوا ذوي شهرة على حساب المنتج الأدبي الذي يقدمونه، فأصبح مفهوم “الكاتب النجم” حاضرا وبشدة، ولم تعد العطلة هي ما يجعل الكاتب أكثر إنسانية، بل تحولت تفاصيل حياته التافهة أحيانا إلى حالة علنية تستدعي المشاركة في محاولة لربطها بقيمة العمل الأدبي الذي يقدمه، لم تعد “إجازته” فقط هي المهمة، بل كيف يشرب القهوة، و كيف يقراً وماذا يفضل من الطعام، كل هذا يمكن التغاضي عنه بوصفه حرية شخصيّة أمام قيمة النص الأدبي، إلّا أن هذا الترويج اللامتناهي للذات والتحول إلى النجومية اليوميةّ لا النجومية الأدبية، أصبح ذا تأثير واسع، بحيث أًصبحت تلعب العلاقات الشخصية دورا هائلا وخصوصا فيما يتعلق بالجوائز ومنحها. الصورة الأسطورية للكاتب انهارت وحلت مكانها صورة الكاتب النجم بتعليقاته اللمّاحة، وكل هذا بعيد عن طبيعة المنتج الأدبي الذي يقدمه والذي قد لا يرقى إلى المستوى الفني المطلوب، إلا أن العلاقات العامة والعلاقات السايبريّة هي التي تصنع النجوم- الكتّاب الآن.

الكاتب النجم تاريخيا موجود وهذا المفهوم يحمل معاني إيجابية في داخله أيضا، مثل حالة المسرحي أوجين أونيسكو، إلا أن أونيسكو كان مدركا لتقنية عمله المسرحي والهدف الذي يسعى إليه، وهذا ما يتضح في نتاجه، وحالة النجومية التي كان يسعى إليها كانت نابعة من مقولته الساخرة “بدأت أكتب للمسرح لأني أكرهه”، قاصدا بذلك محاولته تحدّي الأشكال السائدة في تقنية المسرح ولغته التي كانت مرتبطة بنتاجه على الواقع ليجرب ما يعمل عليه ويخضعه للمحاكمة لا التبجح في المقابلات التي كان يجريها فقط، لكن حاليا نرى نجوما وتكريما لكتّاب إذا تمت محاكمة نتاجهم الأدبي جماليا نرى أنه لا يستحق حتى النشر، إلا أن “صور الكاتب في كل مكان” حوّلته إلى رجل علاقات عامة ناجح، لا داعي لكي يكون المنتج الأدبي متماسكا أو يضيف ولو قيد أنملة إلى عالم الجماليات الأدبية، يكفي أن تكون للكاتب صورة جيدة مع إضاءة جيدة مع وضعية ما وكتاب مهما كان، وبضع كلمات بسيطة لنرى أمامنا كاتبا قد يترشح فجأة لجائزة كبرى عن رواية لا تحقق جماليات الرواية بأدنى حد.

كاتب من سوريا مقيم في باريس

14