الكاتب محاربا

السبت 2016/09/24

إذا كانت أغلب الحروب البشرية، وربما منذ بداياتها، كانت تعرف مشاركة الكُتاب، كما هو الأمر بالنسبة إلى بقية مكونات المجتمعات المتحاربة، فإن الحرب العالمية الأولى تشكل لحظة انعطاف كبرى، سواء على مستوى عدد الكُتاب الذين انخرطوا فيها، أو على مستوى الكتابات التي دُونت خلالها أو بعدها، وذلك بالإضافة إلى رسائل الجنود التي تُقدر بحوالي ثمانية وثلاثين مليار رسالة. ويبدو ذلك طبيعيا اعتبارا لتطور ظروف التعليم بدول أوروبا الغربية.

وشكلت الحرب العالمية الأولى لحظة مواجهة كبرى، حيث اختلطت بشاعةُ القتل بفرح الانتصار، وفظاعةُ الجرائم برغبة تجريب شيء اسمه الحرب. ذلك بالضبط ما أغرى الكثير من الكًتاب لركوب مغامرة الذهاب إلى جبهة الحرب، ليس بالضرورة بهدف تدوين هذا الحدث وإنما للانخراط في الصفوف الأولى، كجنود بسطاء كان عليهم أن يعيشوا لحظة الحرب بكل مآسيها.

خلال الأيام الأولى من فترة الإعلان عن الحرب، اضطر الشاعر الشهير غيوم أبولينير، الذي كان متحمسا للمشاركة فيها، إلى توظيف صداقاته لإقناع السلطات الفرنسية لكي تمنحه الجنسية، اعتبارا لكونه كان منحدرا من عائلة نبيلة بولونية. وبذلك عاش أبولينير الحضور اليومي للموت والجوع ومشاهد القتل المرعبة. وبشكل مفارق لذلك، سيكتب بيته الشهير “إلهي، كم هي الحرب جميلة”. وهو البيت الذي سيصير عنوانا لفيلم موسيقي شهير، أخرجه البريطاني ريشارد أتينبورغ. يومان قبل نهاية الحرب سيرحل غيوم أبولينير، ليس نتيجة سلسلة جروحه، وإنما بسبب زكام بسيط.

في الجبهة الأخرى، جبهة العدو، كان الكاتب الألماني الشهير إرنيست جنجر قد تطوع للمشاركة في الحرب، منذ اليوم الأول عن إعلانها، وذلك ضمن فرق النخبة المعروفة بقوة تدخلاتها. سيصاب جنجر بجروح أكثر من أربع عشرة مرة، غير أنه سيُكتب له أن يتجاوز المئة من عمره، حيث توفي في أواخر تسعينات القرن الماضي، مخلفا عددا من الأعمال، ومنها كتابه الشهير “الحرب كتجربة داخلية”، الذي يشكل شهادة استثنائية عن فظاعة الحرب.

ولأن الحرب ليست نزهة، فقَد الكثير من الكتاب المحاربين أرواحهم. وكان سقوطهم مناسبة للتوحد والرفع من الحماس. الشاعر الفرنسي الشهير شارل بيغوي كان أول الكتاب الضحايا، حيث سيسقط، ثلاثين يوما بعد بداية الحرب، ضمن مجموعة تتجاوز المئة محارب. أما على الجبهة الألمانية، فقد كانت الحصيلة أكبر، حيث سقط أكثر من عشرين من كبار كُتاب الاتجاه التعبيري، ومنهم الشاعران إرنست ستادلر وأُغوست سترام.

أن يكتب كاتب ما عن الحرب، فذلك أمر بديهي، وقد يبدو ذلك ضروريا، خصوصا إذا كانت ترتبط بقضية عادلة. أن يشارك الكاتب في الحرب وأن يُقدم على قتل أنفاس بشرية، مضطرا أو بمحض إرادته، فذلك أمر فيه نظر.

كاتب من المغرب

17