الكاتب ناقدا

السبت 2017/12/09

يبدو الكُتاب، من حيث علاقتهم بالنقد، موزعين على فئتين. فثمة كتاب يُشيِّدون منجزهم الإبداعي على عفوية التجربة وتدفقها، غير متكئين في ما يكتبونه على أي وعي نقدي، أو معنيين به، تاركين الأمر للناقد، الذي تعود إليه ـــ من وجهة نظرهم ـــــ مهمة قراءة النصوص وتحليلها وتفكيكها. ولذلك، تأتي نصوص غالبيتهم شفافة، لا ترتهن لسؤال النقد، الذي يأتي لزوما بعد كتابة النص.

وثمة كتاب آخرون، يسبق وعيُهم النقدي نصوصَهم الأدبية، بشكل يصير معه السؤال النقدي موجِّها، في غالب الأحيان، لكتاباتهم. وقد يحدث، في حالة تماهي الكاتب مع هاجسه النقدي، أن تصير نصوصه الأدبية مجالا تتجول داخله ظلالُ وآثار النظريات النقدية، في الوقت الذي قد يضمُر فيه أثر الإبداع الأدبي.

وخارج هذا التوزيع، الذي لا يُعتبر، في جميع الأحوال مطلقا، لا يستطيع الكاتب أن يقطع نهائيا مع النقد، ولا أن يهرب منه ومن ممارسته، وذلك باعتبار النقد وسيطا للتعريف بالأعمال وتيسير تداولها. بل إن الكاتب يُعتبر، في الكثير من الأحيان، الناقد الأول لأعماله، بمحض إرادته أو دونها. إذ أن ممارسة الكاتب لنقد أعماله تمتد عبر تفاصيل حياته اليومية الإبداعية، سواء تعلق الأمر بحواراته أو كتاباته المنشورة في مدونته، أو من خلال مراسلاته أو تقديماته لكتبه.

بعيد الحرب العالمية الثانية، عرفت فرنسا صدور سلسلتين طبعتا مشهدَ الكتابة والنقد. ويتعلق الأمر بسلسلتي “شعراء اليوم” و”كتاب دائمون” اللتين راكمتا المئات من الأعمال. أمّا ما ميزهما فهو كونهما شكلتا نموذجا راقيا للعمل المشترك وللحوار بين الكتاب والنقاد، سواء على مستوى تحرير الأعمال أو اختيار النصوص أو تحليلها.

ويحدث في الكثير من الأحيان أنْ يحرص عدد من الكتاب على أخذ مسافة فاصلة عن النقد، ولا يَكُفون عن تأكيد كونهم غير معنيين بالأضواء. غير أنني أجد في الأمر مفارقة لا تستقيم ومنطق الأشياء، فالكاتب الذي يدخل عالم النشر يكون قد اختار طريق الأضواء، وإلاَّ فسيكون عليه، والحال هذه، أن يعفي نفسه من كل التعب الذي يرافق الكتابة وتداولها، وأن ينقذ أيضا معه الآلاف من الأشجار التي تلتهمها صناعة الورق.

لا جدال في أن الإبداع يتداخل أحيانا مع النقد بشكل عميق، حيث يصعب التمييز داخله بين صوت المبدع وصوت الناقد. ونصوص عبدالفتاح كيليطو خير نموذج على ذلك، حيث يستطيع الناقد أن يقترح نصوصا نقدية ترتدي جبة الإبداع في أرقى تجلياته، فتأتي متفوقة حتى على النصوص المنقودة نفسها.

ناقدا كان الكاتب، أم غير معني بالنقد وبأسئلته، فالمؤكد أنه لا توجد، ولن توجد وصفةٌ محددة ونهائية للكتابة الجيدة الراقية. فالنصُّ الجيد يحتفظ بأسراره الخاصة والمدهشة التي يتعذر تحديدُها أو توصيفها. وهنا مكمن السر في جوهر الكتابة.

كاتب مغربي

16