الكاتب ناقد نصه

السبت 2014/06/14

ليس أقدر من الكاتب على نقد نصّه، فهو الأعرف بمخاضه وتشكله، والأدرى بما برع في صياغته أو أخفق في تصويره، لأنه يعاشره لحظة بلحظة، من حال وجوده بالقوة إلى حال وجوده بالفعل، واكتماله أثرا فنيا قائم الذات.

والكاتب عادة ما يُخضع نصّه للتدقيق قبل أن يدفع به إلى النشر، ولكن يحدث ألا يحوز العمل رضاه، لخلل بادٍ أو خافٍ، ويحدث أيضا أن يعجز عن إصلاح ذلك الخلل، إما عن قصور، وإما لأن النص عصيّ عن التقويم. هذا مثلا صامويل بيكيت، حسبما ورد في مراسلاته التي صدر جزؤها الأول في ترجمته الفرنسية منذ أيام، لا يخفي استياءه من نفسه ومن الأدب ومن العالم أجمع، بعد الانتهاء من رواية “مورفي” حيث يقول: “إنه حقا عمل مكدّر جدا وغير لائق”. ولما حاول تصويب ما يشوبه من هنات، اعترف بأن قراءته “أمر فظيع”، إذ اكتشف مواقع الخلل ولكنه لم يستطع ترميمها. يقول مثلا: “عثرت على خطإ في مشهد بيت حفظ الموتى، وكانت نيتي أن أجعله يمرّ مرورا أسرع، إلا أني عجزت عن السيطرة على ذلك النسق خلال الحوار”. وفي موضع آخر، يتحدث عن قصيدة له نشرت في إحدى المجلات قائلا: “واضح أنها تنضح برائحة جويس رغم محاولاتي الجادة لأجعلها تفوح بروائحي الخاصة”. وفي غمرة استيائه يصرّح في اشمئزاز بأنها “أبيات لا تُقرأ إلا في بيوت الراحة”.

في المقابل، نجد كتابا معتدّين بأنفسهم، يشيدون بعملهم فور اكتماله ومراجعته، ويتيهون به عُجْبا دونما تحفظ. كذلك شأن الفرنسي سيلين حين بعث إلى غاليمار برسالة، مع مخطوط روايته “سفر إلى آخر الليل”، جاء فيها: “هذا نص سيقلب نظرتنا إلى الأدب ويغير الساحة من حال إلى حال، وسيفوز قطعا بجائزة غونكور، وسيكون حديث الناس على مدى سنين طويلة”. (وهو ما حصل بالفعل، باستثناء الجائزة، حيث أسندت إليه جائزة رونودو بدل غونكور لأسباب لا علاقة لها بقيمة أثره).

وسواء أكان الكاتب مستاء من نصّه أم راضيا عنه، فإن الحكم في الحالين نابع من وعي بشروط الفن وأصوله، وقدرة على تقمص دور الناقد المتبصر. أما فاقد الموهبة فلن يهتدي إلى مكامن الضعف في نصه، بل قد يصوّر له خياله أنها، بالعكس، دليل قوة وتميز، فلا يكون أمامه حينئذ إلا أن يفخر بما ليس فيه، ويواسي نفسه بما يدبجه الأخلاء من إطراء غير مستحقّ.

كاتب من تونس مقيم في باريس

17