الكاتب وأنداده

السبت 2016/09/17

إذا كان توقيع الكاتب يمثل أحدَ العناصر الأساسية التي تحددُ مجالَ تلقي أي نص مكتوب، فثمة الكثير من الكتاب الذين يختارون الخروج عن قواعد هذه اللعبة، بمحض إدارتهم أو مُجبَرين، عبر الاختباء وراء أسماء أخرى مستعارة.

وتتعددُ حالات وأسباب اللجوء إلى هذه الأسماء. فهناك من الكُتاب من يستخدمها لوقت معين، ليتخلص منها في ما بعد. الكاتبُ الفرنسي رومان كِسيو كان قد أحرز على جائزة الكونغور الفرنسية الرفيعة سنة 1956، عن روايته “جذور الشمس”، متخفيا وراء اسم جاري، ليعود بعد عشرين سنة ليفوز بنفس الجائزة تحت اسم مستعار آخر، إميل أجار. وبذلك يكون رومان كِسيو، الكاتب الوحيد الذي يفوز بالكونغور مرتين، مخالفا لقانون الجائزة، وهو الأمر الذي اعتُبر حينها فضيحة من طرف النقاد الفرنسيين، وإن كانوا يعرفون جيدا غرائبية مزاج كِسيو، الذي سينتهي منتحرا سنوات بعد ذلك، تاركا وراءه رسالته الشهيرة “وداعا، لقد استمتعتُ بوقتي جيدا”.

ثمة كتاب آخرون يختارون أسماء قد تصير لها حياتها الخاصة، وقد تغطي على الاسم الحقيقي لكاتب ما، منازعة وجودَه وتألقَه. الشاعر البرتغالي الشهير فرناندو بيسوا كان يرى أن الكائن يتسم بالنقصان ولذلك فهو يحتاج إلى خلق من يكمله. ولذلك كان حريصا منذ طفولته على تخيل أصدقاء لم يوجدوا أبدا، وكان بإمكانه، كما يقر بذلك، أن يتبيّن وجوهَهم وقاماتهم وألبستهم وحركاتهم. بل إن بيسوا كان يتلقى رسائل من صديقه المتخيَّل الأول، شوفالي دو با، الذي خلقه منذ السادسة من عمره. ولم يكن كاتب الرسائل الحقيقي غير بيسوا نفسه. كما يعترف بذلك.

وفي سنة 1914، سيعيش بيسوا ليلة استثنائية، يعتبرها ليلة النصر، حيث سيتمكن من كتابة أكثر من ثلاثين قصيدة دفعة واحدة، ليعلن بذلك عن ولادة أنداده الثلاثة، الذين سيوقع بأسمائهم أغلبَ أعماله الإبداعية. الأول هو ألبرتو كايرو، وهو كما تصوره بيسوا، رجل وحيد، كتوم، عاش حياته من دون علاقات عاطفية، ليموت بسبب السرطان. الثاني هو ألفارو دي كومباس، وكان، كما صَور ذلك بيسوا، وراء إفساد علاقته بخطيبته أوفيليا. أما الثالث فهو ريكاردو رايس، وهو شاعرٌ اختار له بيسوا أن يعيش منفيا بالبرازيل. بينما جاوز مجموعُ أنداد فرناندو بيسوا، بحسب دراسة تيراس غيتا، السبعين نِدا، مع حرصه في نفس الوقت على أن تكون من ضمن جوقة أنداده، امرأة اختار لها اسم مارية زُوجي. وبذلك، لم يكتف بيسوا بوضع أسماء مستعارة، بل خلق لكل اسم حياتَه الخاصة وطبائعه المختلفة واستقلالية قراره ومآله.

بعد أكثر من ثمانين سنة على وفاته، مازال أنداد فرناندو بيسوا يعيشون بيننا، من خلال تجربة شعرية باذخة واستثنائية، اختار صاحبُها أن يتقاسم نجاحها، بكرم، مع أشخاص لم يوجدوا إلا في مخيلته.

كاتب من المغرب

17