الكاتب وأنيابه

الجمعة 2014/03/21

الكُتَّاب المعروفون -أعني كثرة منهم- كائنات مريضة بأرواحها، تعيش خوفا من الآخر قد نردُّ أسبابه إلى ما في ذوات هؤلاء من هشاشة سيكولوجية وفنية واجتماعية، تزيد من نزوعهم إلى حماية أنفسهم بحاشية من المتملّقين هم من الإعلاميين الصغار، والناشرين الصغار، والأنظمة الصغيرة، والكتاب الصغار، والمراهقات الصغيرات. ذلك أن الواحد منهم، ما إن يجري اسمُه، بحكمة مُدبِّر حكيم، في ماء وسائل الإعلام والندوات والجوائز، حتى يبادر إلى تسييج جسده وعلاقاته بفيلق من الأتباع المزمنين الذين يتكفّلون بقضاء حوائجه المادية والرمزية وما بينهما.

فإذا أراد الواحد منا لقاء أحد هؤلاء الكتاب، توجّب عليه المرور عبر بوّابة حُرّاسه حيث يخضع لتفتيشهم، ويُطلب منه أن يعرض أمامهم هويّتَه الفكرية، ويشرح لهم حاجته من اللقاء، ويحدّد بدقّة مدته الزمنية، حتى لا يهدر وقت الكاتب المتخم دوما بالمواعيد. ولا يقتصر دور حاشية الكاتب على ضبط مواعيده وتفتيش نوايا زائريه، بل تتوزّع كلّ حاشية على فيالق يتكفّل كل واحد منها بإنجاز مهمّة واضحة ودقيقة. فنلفي فيها فيلقا تنصبّ وظيفته على تلميع صورة الكاتب في وسائل الإعلام، عبر كتابة مقالات تمتدح منجزاته الأدبية والثناء على عالميتها، وإعلان الحرب على كلّ مَن يقدح فيها حتى من أبواب الحق. ومن الفيالق ما يختصّ أفراده بإجراء اتصالات مع أهل الندوات والجوائز والتكريمات، حتى يضمنوا حضوره في كلّ وليمة ثقافية، والشبع من لحمها وشحمها.

وهناك فيلق يهتدي بالقول “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”، فتسمع هواتف أفراده تتصادى حاملة للكاتب عروضا ظاهرها لقاءاتٌ احتفائية في مدارج الجامعات وجلسات تفكُّه في المقاهي، وباطنها نظر عاطفيّ زائغ وتحقيق.

ومع الوقت، تتعاظم مهامّ الحاشية، وتتنوّع طرائقها في تسويق صورة للكاتب بين الناس، اصطناعية، تلبّي له رغائبه الذاتية ونزوعه إلى التميّز، حتى تُنسيه صورته الأولى، وتُدخله في حال من الهوس النفسي والأرق الإبداعي، يفقد جرّاءه قدرته على الكتابة، ويزداد عنده التعملق، وتنمو فيه كراهية الآخر، ومعها تنمو له أنياب يعضّ بها كلّ مَن يروم دخول دائرة تأويل كتاباته من القراء.

وحتى لا يظنّ ظانّ من الناس أن توصيفنا لحاشية الكتّاب داخلٌ في باب التقوُّل عليهم وعلى إنجازاتهم الإبداعية، نبادر بدعوة كلّ ظانّ من هؤلاء إلى تجريب نقد أعمال كتاب معروفين، كأن يقول مثلا إنّ الرواية الفلانية مثلا فيها سطو على كتاب “بدائع الزهور” لابن إياس، وصاحبها يرغّب السلطة في التجبّر، أو إنّ كتاب الناقد الفلتاني ينهض على أقوال سلافوي زيزيك، وسيعرف ضراوة العضّ الذي سيصيب جسده وعمله وقلمه.

15