الكاتب والثالوث

السبت 2015/02/14

الكل يعلم الأرقام المفزعة لنسب القراءة في الوطن العربي، كلنا يعلم اختلال موازين النقد الذي بات في دور تجميل القبيح وتقبيح الجميل، ليصبح الناقد مجرّد نافخ في أسماء بعينها، سواء بدافع جنسي أو مالي أو غيره. زد على ذلك إشكالات النشر وقلة منابره، وتحوّل الكتاب إلى صناعة هدفها الأول ربحي بالأساس.

للكاتب العربي إذن أن يسأل لمن ولماذا أكتب؟ سؤال نخرج به لو تأملنا الأمسيات الشعرية وحفلات التوقيع والندوات التي لا تحظى بجمهور، غير بعض أصدقاء الكاتب والأشباح. باستثناء بعض الأسماء المحظوظة من الكتاب، وطبعا الحظ في غالبه لا ينبع من الموهبة بقدر ما هو مسألة علاقات قائمة على المصالح أو غيرها عدا الموهبة والجودة.

ما معنى أن يكتب كاتب لمن لا يقرؤون، حتى من النقاد ومن أصدقائه الكتاب أنفسهم؟ ما معنى أن يصدر كتابه في بيئة ليست القراءة من أدنى اهتماماتها؟ ما معنى أن ينشر كتابا أو نصا لا يلقى تفاعلا، لا نقديا ولا حتى انطباعيا. كتب تظل مجرّد كومة أوراق محبّرة في ركن. هذا ما يجعل من هدف الكتابة في حد ذاته مشوشا غير واضح. الكتابة التي من المفترض أن تكون دافعة للمجتمعات ثقافيا وأخلاقيا وجماليا، وأن تكون ذات أولوية للشعوب الطامحة إلى الإصلاح الدائم ومواكبة عصرها متشبعة بماضيها متطلعة إلى مستقبلها.

إن أزمة الكاتب العربي هي أزمة غياب يتوزع على ثالوث واضح: غياب القارئ، وغياب النقد، وغياب سياسات النشر الناجعة. إن هؤلاء الثلاثة القارئ والناقد والناشر هم من ترتبط بهم بالأساس عملية دفع الأدب والإبداع بصفة عامة إلى التطور وإلى التجدد والحركة الناجعة والعميقة. لو أخذنا كل طرف من هذا الثالوث على حدة، فنحن نرى أنه أولا علينا صناعة القراء من خلال الإصلاح في برامجنا التعليمية وخلق طرق جديدة للتحفيز على القراءة، فخلق قارئ جيّد، قادر على النقد وإبداء الرأي دون تبعية أو اكتفاء بالتلقي السلبي، سيأتي بناقد جيّد ثمّ بكاتب جيّد، وسيؤثر على العملية الإبداعية ككل، وحتى على التركيبة الاجتماعية التي ستخرج من سلبيتها ليكون لها رأيها وحريتها الخاصة.

ثانيا إن صناعة ناقد صادق وحرّ أمر ليس باليسير، إذ يمرّ هو بدوره بالمنظومة التعليمية والتربوية، وصولا إلى الإصلاحات الجوهرية التي يجب أن تطال الجامعات العربية التي أصبح أغلبها محلات تدجين عقول مردّدة.

ثالثا إن النشر يبقى منوطا بمن يقوم بهذه العملية التي لا يجب أن يتدخل فيها الكاتب، بل يجب أن يعتني بها أناس مختصون يعون التطوّر الرقمي اليوم، ويسعون إلى تثوير عالم النشر العربي وتحويله إلى مشروع فكري حقيقي، لا مجرّد محلات ربح مادي.


شاعر من تونس

17