الكاتب والناقد علاقات متوترة

الأحد 2014/02/23
ألان روب غرييه: المبدع ناقد من طراز مختلف

العلاقة بين الكتاب والنقاد سجال دائم لا يخلو من نيّات إن لم تكن سيئة، فمبيّتة على الأقل. فالكتاب يلومون النقاد بالتقصير إذا ما غفلوا عن تناول نصوصهم، ثم يهيج هائجهم إذا جاءت نقود هؤلاء بما يكرهون، إذ هم، كما يقول سومرست موم، يلتمسون النقد، ولكنهم لا يحبون سوى الإطراء. والنقاد بما هم علماء حازوا نصيبا من المعرفة والتكوين الأكاديمي، يقوّمون نتاج هذا الكاتب أو ذاك على ضوء ما اطلعوا عليه من منجز النقد العالمي، فينظرون إلى الإنتاج المحلي نظرة نفور واستعلاء.

ومن ثَمّ، فغالبا ما نقرأ ونسمع عن معارك ضارية تنشب بين الطرفين، بين كاتب يرى الناقد مبدعا فاشلا، كان قد خاض الإبداع وخاب، فأراد أن يثأر لنفسه ممن جرّب وأصاب، بدافع الحسد والغيرة، وبين ناقد يعتبر الكاتب ضعيف الموهبة، مشوش الأفكار، فاقد الرؤية، ويقضي أن محاولاته خبط أعشى ضلّ طريقه في الظلام. ومن النادر أن نجد في ربوعنا ناقدا ليس بينه وبين الكتاب عداوة، أو نجد كاتبا قابل نقدا لا يروق بما قابله النمساوي توماس برنارد حين قال : "ماذا يهمني، ولي القصيد." أو كان له من نقاده موقف أحد الكتاب الفرنسيين، ولعل ألان روب غرييـي، حين صرّح على روؤس الملأ : "هذا أدبي، فاكتبوا أدبكم !"

أحكام قاسية

ذلك أن هذا السّجال لا يخص العرب وحدهم، بل هو قدر مشترك بين سائر المجتمعات، لا تخلو منه ساحة، حتى في البلدان المتحضرة. وإذا كان للنقاد، على اختلاف مدارسهم وتباين مشاربهم، مواقف جارحة أحيانا من بعض الكتاب، تصل حدّ القدح والسخرية، كموقف غوستاف بلانش من بلزاك وزولا أو موقف فيليب سوليرس المتأخر من مالارميه وبودلير أو موقف يان موا من أميلي نوتومب، فإن للكتاب أيضا رأيا في النقاد يتجاوز في أحيان كثيرة حدود اللياقة والأدب. هذا مثلا لويس أراغون يشبّه الناقد بقاض يصدر حكما بالسجن مدى الحياة، ومثله جان بولهان الذي ينصح النقاد بألا يترددوا عن وضع أنفسهم موضع الهزء والازدراء، أو بيار ريفردي الذي يعتبر سخرية النقاد روث الفكر النقدي، أو جون أُزبورن إذ يقول في قدح سافر : "أن تسأل كاتبا عن رأيه في النقاد، فكأنك تسأل عمود الشارع عن رأيه في الكلاب. "

وهم في ذلك لا يختلفون عن سابقيهم مثل فرنسوا غاستون الذي اعتبر النقد ضريبة يفرضها الحسد على الموهبة، أو مونتاني الذي انتقد خصومه بقوله : "أفضل صورة يمكن أن ننظر من خلالها إلى النقاد هي صورة بائسين يحملون عصيّا يقلّبون بها رمل ودياننا بحثا عن برقة ذهب. وهذا لعمري ليس من شيم الأغنياء."

طبعا نحن لا نتحدث هنا عن فئة من النقاد نذرت أقلامها لكاتب بعينه، تمجّد سيرته، وتلمّع صورته، وتُشيد بمُعجَز نصّه، ولا عن كاتب مغرور يدّعي الموهبة، يرى في تقويم النقاد عداوة وفي صمتهم عنه مؤامرة. وإنّما حديثنا عن نقاد وكتّاب لهم في مجالهم تجربة لا يستهان بقيمتها، ويقفون من بعضهم بعضا، رغم ذلك، وربما بسبب من ذلك، موقف تنافر وتناحر.

موزع بريد

والحقّ أن الكاتب هو الملوم بالدّرجة الأولى، فالنص ملك له ما لم ينشره، فإذا ظهر للناس جاز لهم أن يقولوا فيه ما يشاؤون، سواء أنصفوا أو تحيّفوا. وليس ما يرضي هو دائما عين الصواب، فقد يجد في ما يسوء نصحا وعبرة. جاء في الأمثال الصينية قولهم : "أن ينتقدك شخص واحد ألف مرة، خير من إطراء ألف شخص." ذلك أن الكاتب الحقّ واثق من موهبته، يؤمن بما يكتب إيمانا راسخا لا يتزعزع، فهو ناقد نفسه، لا يبيح نصه لقارئ، ولا يدفع به لناشر إلا بعد تأمل وتمحيص ومراجعة وتدقيق، يتبين لرجله قبل الخطو موضعها كما تقول العرب، فلا يحتاج إلى ناقد يطريه، أو يردّه عن تيه. وغاية ما يطمح إليه قارئ فطن يغوص في عالمه ويناقش، ولو في البعد، أفكاره.

يقول الفرنسي شارل دانتزيغ : "خبرت منذ وقت طويل أن الكاتب موزع بريد، يحمل رسائله الخاصة بنفسه، رسائل يعبّر من خلالها عن فكرتين أو ثلاثٍ بأسلوب جديد، دون أن ييأس من إثارة اهتمام بعض القراء النكرات. في طريقه يوجد دائما كلب شرس ينبح، ويجذب بكل قواه كي يفكّ رباطه، ولعابُه يسيل على جانبي شدقيه. ولكن يوجد أيضا جار لطيف ودود لا يبخل عليه بتحية، ووجه صبيح ينفحه ابتسامة."

13