الكاتب وتجلياته

السبت 2016/02/20

ترتبط تحوّلات مفهوم الكاتب بمتغيرات مسار سوسيو- ثقافي تمتدّ جذوره لقرون. ويقتضي تمثُّل هذه التحولات وعيا أيضا بتعدّد أبعاد هذا المفهوم داخل لحظات عديدة. وهي أبعاد تحتفظ بخصوصياتها وبترابطاتها في الآن نفسه. ويتعلق الأمر، على الخصوص، بمفاهيم العالم والعلّامة والعالم المشارِك والأديب.

ويرتبط تعدّد أبعاد المفهوم أساسا، من جهة بتعدّد مجالات اشتغال المؤلِّف الواحد، ومن جهة أخرى بالتمثل الواسع لمفهوم الأدب الذي كان يحيل أحيانا على مجمل الوثائق المكتوبة في لغة معينة. ويمكن هنا استحضار ما كتبه المستشرق الفرنسي ليفي بروفنصال “بالرغم من كون مصطلح الأدب يحيل على مجموع الوثائق المكتوبة في لغة ما، فليس من عادتنا أن نمنحه تمثُّلا حصريا. ويبدو الأمر مختلفا بالنسبة للعرب، كما هو الأمر بالنسبة للمغاربة. فنحن نميل بشكل أقل إلى اعتبار القانون المدني الفرنسي كعمل أدبي فرنسي، بينما يحتفظ القاضي المسلم والأرصادي بمكانة خاصة على مستوى الأدب العربي”، وذلك بشكل تضمّ معه مجموعةُ الكتّاب الشعراءَ ورجالات الأدب الذين أنتجوا أعمالا تاريخية وعلمية وقانونية وعلماء، بمن فيهم الفلكيون والأطباء.

وكان هذا التمثُّل الواسع لمفهوم الأدب يمنح للكاتب ولنصّه حرية خاصة، تتجاوز الحدود بين المجالات المعرفية والأشكال التعبيرية. فعالم مغربي كمحمد بن سليمان الروداني، راكم مؤلفات في الأدب والبلاغة والهندسة والتوقيت، وأرفق ذلك باختراع أجهزة لنظرياته الفلكية، ومنها “الآلة الجامعة النافعة في علمي التوقيت والهيئة”، ورسم خارطة للكرة الأرضية، تصفها الكتابات التاريخية بأنها فريدة، لم يُنسَج على منوالها. وكان الأمر نفسه بالنسبة لجلال الدين السيوطي، الذي عُرف بأعماله العلمية في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والطبقات والنحو واللغة والأدب وغيرها من المجالات، حيث وصلت مؤلفاته إلى ما يناهز 570 مؤلفا، حسب “كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون” لحاجي خليفة. وكان ذلك حال المئات من الكتّاب الذين تعكس سِيرُهم بحثَهم المتواصل عن هوامش للكتابة داخل مختلف المجالات المعرفية.

وعرف مفهوم الكاتب تطورا عميقا وبوتيرة متباينة، مع توالي العقود. وارتبط ذلك، بشكل خاص، بتبلور حدود جديدة بين المجالات المعرفية. وتجلت مظاهر ذلك، من جهة، من خلال تكرّس الحدود بين الأدبي وغيره، ومن جهة أخرى من خلال انطلاق مسار تحديث الكتابة الأدبية في حدّ ذاتها، وهو ما تبعه أساسا ظهور أجناس أدبية جديدة، تتجلّى في الرواية، والقصة القصيرة، والكتابة المسرحية.

بموازاة مع هذه التحوّلات، التي طبعت الحقل الأدبي أساسا، ستعرف المراحل اللاحقة تغيّرات على مستوى حقول معرفية أخرى. وفتح، في هذا الإطار، إسهامُ الجامعة البابَ أمام إعادة تشكيل مفهوم المنتج، بفضل ظهور مفاهيم جديدة، تتجلّى في المثقف والباحث والمفكر. يبقى أن هذا المسار لا يمنع من أن نجد فقيها متنورا ينتمي إلى قرن سحيق، ومن أن نجد مثقفا يعيش الألفية الثالثة بعقلية محافظة بامتياز.

كاتب من المغرب

17