الكاتب ودوره الإيجابي

السبت 2017/05/06

في مقالة كتبها الصحافي العراقي المخضرم، الصديق مظهر عارف، من مهجره في الولايات المتحدة، استذكر فيها ما كتبه الشيخ جلال الحنفي في العام 1966 في صحيفة “العرب” البغدادية، مطالباً برفع نصب الحرية، ثم رده عليه في مقالة، اضطر بعدها الشيخ الحنفي إلى الاعتذار والتراجع عن موقفه في المطالبة برفع نصب الحرية.

لقد كنت على علاقة طيبة بالشيخ الحنفي، كما كنت من بين الذين يترددون عليه في جامع الخلفاء ببغداد، بل كنّا، عبدالرزاق عبدالواحد ويوسف الصائغ وحميد المطبعي وكاتب هذه السطور، وقد يرافقنا آخرون، وبخاصة من الضيوف العرب، من رواد مجلسه في شهر رمضان، إذ كان يحدثنا عن بيوتات بغداد ومثقفيها وشخصياتها الاجتماعية وظرفائها وقرائها وشعرائها ومطربيها، وتقترن أحاديثه بذكرياته وانطباعاته ومعاركه القلمية واللسانية.

وكان الشيخ، يشتط في مقولاته أحياناً، فلا يتراجع عنها، حتى حين يجمع الحاضرون على الاختلاف معه في ما يذهب إليه.

وقد جاء في مقالة الصديق مظهر عارف، قوله “في العهد السابق، تصدى الشاعر حميد سعيد لقرار أمانة بغداد، بتهديم مقهى الزهاوي، ونجح في إلغائه”.

نعم، كاد مقهى الزهاوي، وهو من أهم مقاهي بغداد، ومنتدياتها الأدبية والفنية، يغلق ويتحول إلى دكاكين، كما كان ذلك مع مقهى البرلمان، وهو غير بعيد عن مقهى الزهاوي، إذ كان يقع في شارع الرشيد، مقابل جامع الحيدرخانة.

غير أن مجموعة من رواد مقهى الزهاوي، وكان أكثرهم نشاطاً المحامي أنور السامرائي، تحركت للدفاع عنه والحفاظ عليه، والسبب كما أتذكر، هو قرار برفع إيجاره السنوي، مما لا يتناسب مع ما يحقق المقهى من مداخيل، ما دفع بصاحبه إلى التفكير في التخلي عنه وإغلاقه.

وكنت ممن اتصلت بهم المجموعة، فبادرت إلى اللقاء بهم في هذا الشأن والكتابة دفاعا عن المقهى، كما اتصلت بأمين بغداد، وكان الأمين أيامذاك، سهيل محمد صالح الهاشمي، واستجاب الرجل، كما استجاب لما كتبت عدد من كبار المسؤولين، أذكر منهم سمير عزيز النجم، الذي اتصل بي هاتفياً ليسألني عن تفاصيل الموضوع وما يمكن أن يقدم من عون بشأنه، والدكتور أموري اسماعيل الذي نشط هو الآخر للدفاع عن المقهى التراثي، وهكذا تم الحفاظ عليه.

ثم بادرت أمانة بغداد إلى ترميمه وتجديده، فصار إلى ما يليق بتاريخه ودوره الاجتماعي والثقافي، غير أن الأمر لا يتعلق بالكتابة عن خلل ما فقط، وإنما المهم هو الاستجابة لما نكتب أو لما نتحرك من أجله، وقبل ذلك أن نجد الوسائل العملية التي تحقق هذه الاستجابة.

وإذا كانت الكتابة عن حالات كهذه لا تدخل في جوهر الكتابة الأدبية، فإن للأديب أو الفنان شخصية اعتبارية، لذا يكون ما يكتبه مؤثراً، ويستطيع أن يفيد من هذا التأثير، في قضايا عامة نافعة، ولا أجد ما يحول في مجال الإفادة من حضوره الاعتباري، دون التدخل للصالح العام ودفع الضرر عمن لحق به، وتقديم العون لمن به حاجة إليه.

وقد عرفنا من الشخصيات الاعتبارية، من وظفها للإساءة وإلحاق الضرر بالآخرين، في ما يكتب وما يقول وما يفعل، أو للمزيد من الانتفاع مادياً ومعنوياً. وهناك في أوساط الكاتبين مَنْ يعد الإساءة إلى الآخر شطارة وفخراً وتميزاً، لذا ينصرفون عن نقد الحال إلى نبز الأشخاص، وقد يُرَدُّ عليهم بمثل ما صدر عنهم، فيشيع قاموس، أقل ما يمكن القول فيه، إنه قاموس نميمة وانحطاط.

أما المواقف الإيجابية من الحياة، الإنسان والواقع، فتثري دور الفكر ودور الجمال في آن واحد، وتتواءم مع فعل الإبداع، وهذا ما ينبغي أن يتحرك في فضائه الفكر ومقولاته، إذْ يتكرَّس الدور الإيجابي للكاتب وللكتابة.

كاتب عراقي

16