"الكاتشر كان جاسوسا" لاعب البيسبول المكلف بالقتل

الفيلم الأميركي يتميز بالتصوير الجيد، مناظر الليل بوجه خاص، وينتقل في سلاسة وبراعة بين المواقع المختلفة.
الجمعة 2018/10/05
رغم حبه لاستيلا لم يتزوجها أبدا

يستند الفيلم الأميركي “الكاتشر كان جاسوسا” الذي أخرجه الأسترالي بون لوين (من أصل بولندي) على كتاب ذائع الصيت بالعنوان نفسه يروي فيه مؤلفه نيكولاس دويدوف، قصة حياة لاعب البيسبول الأميركي الشهير موريسون بيرغ (أو “مو” حسبما ينادونه في الفيلم).

“مو” بطل فيلم “الكاتشر كان جاسوسا” The Catcher Was a Spy تلقى تعليما جامعيا على أرقى مستوى، ثم برز كلاعب للكرة الأميركية (البيسبول) ظل يحافظ على وجوده لسنوات ضمن فرق أميركية كبيرة، والواضح أنه عرف بالغموض الكبير الذي أحاط حياته، لكن الأهم والأخطر، وهو ما دفع صناع هذا الفيلم إلى التقاط قصته، هو دوره في العمل لحساب “مكتب الخدمات السرية”، أي وكالة التجسس الأميركية التي سبقت تأسيس وكالة المخابرات المركزية.

هذا فيلم من أفلام التجسس التقليدية، وهو يدور حول شخصية واحدة هي شخصية “الكاتشر”، أي اللاعب الذي يمسك بالكرة ويبعدها، وتظل باقي الشخصيات التي يلتقيها أو يحتك بها، شخصيات ثانوية مساعدة فقط، يظهر بعضها ثم يختفي.

وليس هذا عيبا بالطبع، لكن الملاحظة الأولى أن الفيلم يخلو من المواقف الدرامية الكبيرة، إنه يتمتع ببناء يولد الكثير من الترقب والإثارة والتكهنات بشأن ما يمكن أن تصل إليه شخصية مو غريبة الأطوار في المهمة التي ستكلف بها، لكنه لا ينجح في استنباط الدراما الداخلية التي تنتج عن تناقضات الشخصية الرئيسية، كما لا تبدو النهاية التي انتهى إليها الفيلم مشبعة، بل تظل التساؤلات الطبيعية مطروحة بعد أن ينتهي الفيلم.

شخصية متعددة الأوجه

بول رود أدى الشخصية في حدود الدور المرسوم في السيناريو
بول رود أدى الشخصية في حدود الدور المرسوم في السيناريو

مو بيرغ هو أولا حسب ما يصوره الفيلم: لاعب كرة أميركية (بيسبول) ونجم شهير في عالم الرياضة، يهودي، مثلي الجنس (غالبا)، جاسوس بالفطرة، شجاع مستعد للموت في سبيل بلده، وهو ثانيا طبقا لما يقوله هو عن نفسه في الفيلم: يفضل الاختباء على الظهور، يحفظ الأسرار جيدا، مراوغ، يخفي أكثر ممّا يظهر.

هنا يصح التساؤل عن مدى نجاح الفيلم في التعامل مع تلك الوجوه المتعددة للشخصية، بحيث تبدو أمامنا شخصية حقيقية من لحم ودم لا مجرد كائن سطحي مغلف بالغموض المفتعل. ولا شك أن الاختبار الأول في هذه الحالة يتركز على مدى نجاح السيناريو الذي كتبه روبرت رودات (كاتب سيناريو الفيلم البديع “إنقاذ الجندي ريان”).

أن تكون القصة حقيقية عن شخصية حقيقية وما عاشته من أحداث ووقائع ومواقف، لا تعتبر ميزة في حد ذاتها. لماذا؟ لأن الفيلم منذ أن يصبح فيلما فإنه يمتلك عالمه الخاص، ولا يعد ممكنا مقارنة الخيال السينمائي وهو في جميع الأحوال “خيال” مهما قارب الواقع، بأحداث التاريخ الثابتة الموثقة، طالما أن هدف الفيلم الأساسي سرد قصة محكمة تثير اهتمام الجمهور، وتجعله يخرج منها بدلالات معينة، إلاّ أن الأمر يختلف إذا كان الفيلم يريد توصيل رسالة سياسية معينة عند تناوله إحدى الشخصيات “التاريخية” التي اختلف الناس حولها، والتي لعبت دورا في التاريخ السياسي في بلادها كشخصيات الرؤساء والزعماء على سبيل المثال.

هاجس القنبلة

يبدأ الفيلم في عام 1944، في المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، لكن الهاجس الذي يسيطر على المؤسسة العسكرية الأميركية يدور حول ما إذا كان الألمان قد نجحوا في صنع قنبلة ذرية يمكنها أن تحسم الحرب لصالحهم، في وقت كان البرنامج النووي الأميركي قد أوشك على الاكتمال.

لكن المشهد الذي يبدأ به الفيلم موصولا بالأسطر التي تظهر في البداية على شاشة سوداء يوضح لنا أن مو (بول رود) كُلف بالذهاب إلى زيورخ لمعرفة ما إذا كان العالم الألماني فيرنر هيزنبرغ (مارك سترونغ) الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء النووية، قد تمكن من صنع القنبلة الذرية، أو أنه في الطريق إلى صنعها، وفي هذه الحالة يتعين أن يغتاله مو.

البداية غير موفقة لأنها تكشف جوهر الحبكة قبل أن يبدأ الفيلم وقبل معرفة أي شيء عن الشخصية الرئيسية، لذلك سرعان ما يعود الفيلم ثماني سنوات إلى الوراء، إلى عام 1936 في “فلاش باك” بطول الفيلم كله تقريبا، مع تعرجات أخرى مربكة، لكي يروي كيف كان مو يمارس البيسبول وكيف كان مهتما بمطالعة الصحف الأجنبية (يتحدث 5 لغات بطلاقة ويجيد ثلاث لغات أخرى)، وكيف يصل في عنفه إلى درجة أنه كاد يفتك بزميل له كان يعتقد أنه “مثلي”، لكننا سنجد أن مو على علاقة بامرأة جميلة تقيم معه هي استيلا (سيينا ميللر)، يحبها ويمارس معها الجنس، لكنه لا يريد أن يتزوجها، فهو كما سنرى له اهتمامات بالرجال.

إلاّ أن هذا الميل أو هذه المثلية التي كان يمكن أن تساهم في تعميق أزمة الشخصية وتفسير ميلها نحو الهروب، والإقدام على المغامرة الخارجية، يهملها الفيلم تماما.

صحيح أننا نشاهد مو في رحلته اليابانية وحده (بعد أن رفض بإصرار أن يصطحب معه استيلا) يصادق أستاذا يابانيا في التاريخ (يدعى كواباتا)، ولكن العلاقة بينهما لا تتجاوز تلامس اليدين، أما المشهد نفسه، فهو أحد المشاهد المنسوجة جيدا سواء من حيث الإخراج أو الأداء. كما يتميز بالحوار الهادئ البديع، وخلاصته أن كلا الرجلين يشعران بأن الحرب قد أصبحت حتمية بين بلديهما.

تجسس مبكر

إجادة البطل اللغات وإخلاصه وراء تجنيده في المخابرات
إجادة البطل اللغات وإخلاصه وراء تجنيده في المخابرات

لسبب غير مفهوم يستغل مو وجوده في طوكيو فيعتلي سطح مبنى مستشفى قديم لكي يصوّر بكاميرا سينمائية صغيرة فيلما للميناء والقطع البحرية اليابانية الراسية فيه، وهو الفيلم الذي سيقدمه تطوعا إلى وكالة التجسس الأميركية بعد أن تنشب الحرب بالفعل بين أميركا واليابان.

وسيتم تجنيد مو وإرساله مع عالم الفيزياء اليهودي الهولندي غولدشميت (بول جياماتي) الذي فر من بلاده ولجأ إلى أميركا، والخبير العسكري دونوفان (جيف دانييلز): أولا إلى إيطاليا، حيث يخوضان مغامرة وسط الاشتباكات العسكرية العنيفة بين الألمان والأميركيين في معركة تحرير روما، ثم يصلون إلى البروفيسور أمالدي الإيطالي الذي يرتبط بصداقة مع العالم الألماني هيزنبرغ لمعرفة ما إذا كان قد نجح في صنع القنبلة، ثم تنسيق مقابلة معه في زيورخ حيث تدور لعبة شبيهة بلعبة القط والفأر بين موريسون وهينزبرغ.

هل سيقتله؟ هل سيقنعه بالانضمام إلى الحلفاء ضد هتلر، خاصة وأن شبح الهزيمة أصبح يحلق فوق ألمانيا؟ ما الذي يمكن للاعب البيسبول أن يفعله وهو أمام عالم مدني مرموق يبدو مسالما تماما، هل سيقدر فعلا على إغلاق مفاتيح مشاعره الإنسانية وقتله بدم بارد من دون أي استفزاز، بينما الرجل يحاول بشتى الطرق أن يتحاشاه وأن يؤكد خلال المحاضرة التي ألقاها أو بعدها في حفل العشاء، أنه من دعاة السلام بين الشعوب؟ وهل سيتمكن مو في حالة قتل العالم الألماني من الإفلات من رجل الغستابو الذي يراقب الموقف في صمت أم سيضطر إلى استخدام كبسولة السم التي أعطاها له رئيسه في جهاز التجسس لكي ينتحر؟ أسئلة تدور في ذهن المتفرج خلال المشاهد الأخيرة، لكن الحصيلة محبطة للغاية.

تطور الشخصية

المشكلة الأساسية أن شخصية مو تبقى من البداية حتى النهاية دون تطور حقيقي، ولا أقصد تطور في علاقتها بالآخرين، بل تطورها على الصعيد النفسي بحيث تكشف عن الوجه الإنساني الحقيقي، عن حالة الاغتراب التي ربما تكون السبب في اندفاع الشخصية إلى الهرب، إلى الاختباء الدائم، كما يقول.

عندما يسأله رئيس وكالة التجسس أثناء المقابلة بينهما قبل توظيفه “هل أنت مثلي؟”، يجيب مو بذكاء “إنني بارع في إخفاء الأسرار”. وهي إجابة تحمل معنيين: أولا أنه قد يكون مثلي، لكنه يخفي هذه الحقيقة ببراعة، وثانيا: أنه يمكن التعويل عليه في عدم إفشاء ما يكلف به.

كون مو يهوديا ومثليا وميله للفرار والاختباء جوانب غائبة عن الفيلم، بل تمر على نحو عابر، ومسألة ميله “الفكري” للتجسس الذي يتضح في قيامه بتصوير مادة عسكرية خطيرة قبل أن تنشب الحرب بالفعل والتطوع بتقديمها هدية للمخابرات، لا يبدو مفهوما أو مبررا حتى لو كان هذا ما حدث في الحقيقة. والأكثر مدعاة إلى الإحباط أن الفيلم بعد أن ينتهي تظهر أسطر كثيرة تتعاقب على الشاشة تروي لنا ما لم يروه الفيلم، مثل أن مو منح أعلى “ميدالية الحرية” التي تمنح لمدني من الرئيس الأميركي تقديرا لما قدمه لبلاده من خدمات أثناء الحرب، لكنه رفض قبولها دون أن يفصح عن السبب، وأن العالم هيزنبرغ كشف للحلفاء بعد الحرب عن مخزون ألمانيا من المياه الثقيلة (التي كانت ستستخدم في صنع القنبلة الذرية)، وأن مو لم يتزوج وقضى حياته وحيدا (دون إشارة إلى مستقبله المهني) بينما تزوجت استيلا من ضابط شاب في البحرية.

يتميز الفيلم بالتصوير الجيد (مناظر الليل بوجه خاص) وينتقل في سلاسة وبراعة بين المواقع المختلفة، وينجح المخرج مع المصور أندريه باريكه (مصور “مدام بوفاري” و”زوجة حارس حديقة الحيوان”) في محاكاة الإضاءة في الشوارع في تلك الفترة، مع خلق تكوينات توحي بالغموض وتحيلنا إلى أجواء “الفيلم – نوار”، كما يتميز الفيلم بالدقة في محاكاة طبيعة الفترة، وتصميم الملابس، والديكورات، والإكسسوارات.

لكن مشهد المعركة بدا هزيلا، أفسده المخرج بجنوحه إلى الكوميديا من جانب الممثل جياماتي، أما أداء بول رود فعلى الرغم من ثقته الكبيرة وثباته أمام الكاميرا إلاّ أن هناك بعدا أساسيا بدا مفقودا يتعلق بغموض الشخصية وميلها للعزلة، فقد بدا بول رود كما لو كان رجلا اجتماعيا من مرتادي النوادي ومخالطة البشر والقدرة على المداعبة أيضا (في حواره الخاص مع هيزنبرغ مثلا)، أي أنه جاء شبيها بشخصية جيمس بوند، وليس لاعب البيسبول الذي أصبح جاسوسا، ورغم هذه الملاحظات إلاّ أن الفيلم يظل عملا جديرا بالمشاهدة لتميزه الفني.

16