الكاثوليك والبروتستانت يطوون صفحة الماضي مرة واحدة وإلى الأبد

الخميس 2017/11/02
ابنة القس البروستانتي في انسجام تام

فيتنبرغ (ألمانيا) – احتفل البروتستانت والكاثوليك الثلاثاء الماضي بالذكرى الـ500 للإصلاح وسط دعوات إلى الغفران والوحدة، فأقيم قداس حضرته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في فيتنبرغ، مهد مؤسس حركة الإصلاح الراهب مارتن لوثر (1483 ـ 1546)، وهو قسيس وأستاذ للاهوت، ومُطلق عصر الإصلاح في أوروبا، بعد اعتراضه على صكوك الغفران.

أبرز مقوّمات فكر لوثر اللاهوتي هي أنّ الحصول على الخلاص أو غفران الخطايا هو هديّة مجانيّة ونعمة الله من خلال الإيمان بيسوع المسيح مخلصًا، وبالتالي ليس من شروط نيل الغفران القيام بأي عمل يكفّر فيه المؤمن المسيحي عن خطاياه.

وبالعودة إلى الاحتفالية التي أقيمت فقد شاركت ميركل والرئيس فرانك فالتر شتاينماير، وقادة دول مجاورة في قداس في كنيسة “جميع القديسين” في فيتنبرغ يعلن انتهاء يوبيل تم الاحتفال به في جميع أنحاء العالم.

يذكر أن الاحتفالات بالذكرى السنوية قد تمت قبل عام في لوند في السويد بحضور البابا فرنسيس، وهي واقعة كان لا يمكن تصورها لفترة طويلة في ظل العلاقات التي تخللها عنف استمر زمنا بين الكاثوليك والبروتستانت.

من باب الكنيسة القوطية في هذه المدينة في شرق ألمانيا كان قد بدأ أكبر زلزال لاهوتي في تاريخ المسيحية، والتشكيك في عقيدة الكنيسة الكاثوليكية من خلال انتقاد انتهاكات المؤسسة البابوية وعبادة القديسين، الأمر الذي تسبب في حروب طاحنة ومعارك دموية كانت الأعنف في تاريخ أوروبا قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وفي الذكرى الـ500 لهذا الحدث الذي شكل مفصلا تاريخيا في ذاكرة الديانة المسيحية، أعلن الفاتيكان والاتحاد اللوثري العالمي فى بيان مشترك “نطلب الغفران لإخفاقاتنا وللطريقة التي تسبب فيها المسيحيون من جروح وإساءات متبادلة في ما بينهم”.

وأضاف البيان في الوقت نفسه “إننا ملتزمون مواصلة العمل معا (…) بحثا عن توافق كبير لتسوية الخلافات المتبقية بيننا”، وتابع البيان “للمرة الأولى، ينظر اللوثريون والكاثوليك إلى الإصلاح في ظل آفاق مسكونية، مع نظرة جديدة إلى أسباب التفكك”.

وأكد البيان البروتستانتي الكاتوليكي أن المشترك لدى الطرفين أكبر بكثير مما يفرقهما في إصرار واضح على العيش المشترك وضرورة طيّ صفحة الماضي الذي نسيه الأوروبيون بالفعل وصار مجرد ذكرى أليمة، لكنها تحفز على التوحد من أجل مجابهة تحديات الحاضر والمستقبل.

وقال معلقون عرب على هذا الحدث الذي تحييه أوروبا وتستنبط منه العبر والدروس إن ضرورة نبذ خلافات الماضي والتركيز على نقاط الالتقاء، أمر لم تستطع مجتمعات عربية وإسلامية فعله، وذلك بتأثير ومؤامرات من أنظمة طائفية مثل إيران وأذرعها وميليشياتها، ما زالت تنبش في جراح الماضي وتستنهضها من أجل نشر الفرقة وتغذية الكراهية وضرب الاستقرار الأهلي في أكثر من بلد.

لوثر أطلق حركة لا شيء يمكن أن يوقفها، لقد وضع الأساس لفهم جديد للإنسان والتطور اللاحق للديمقراطية الحديثة

ولم يغفل نص البيان المشترك بين الكاتوليك والبروتستانت الكثير من الاختلافات التي شكلت عوائق مجتمعية في تفاصيل حياتية بين المذهبين كالأزواج المختلطين من كاثوليك وبروتستانت والذين يرغبون في ان يكونوا قادرين على أداء طقوس الصلاة في كنائس الطرفين، مؤكدا أن هذا هو هدف الجهود المسكونية.

رئيس الكنيسة البروتستانتية الألمانية القس هاينريش بدفورد ستروهم، شكر البابا على هذه اللفتة في الحفل الذي أقيم في فيتنبرغ، حيث بدأت ثورة لوثر قبل 500عاما في ألمانيا التي يتخذ “يوم الإصلاح” فيها طابعا خاصا. يوم 31 أكتوبر هو يوم عطلة في العديد من المقاطعات الألمانية، وخصوصا في الشرق، لكن البلاد بأسرها كانت في عطلة الثلاثاء الماضي بهذه المناسبة.

وقالت ميركل ـ وهي ابنة قس لوثري ـ إن الإصلاحات حققت الكثير من التغييرات الاجتماعية، وشددت المستشارة على العلاقة المثيرة جدا للاهتمام في ألمانيا بين الكنيسة والدولة، من دون فصل كامل كما في فرنسا، وأكدت أن المسيحية هي “إحدى أساسات” ثقافة العمل في ألمانيا.

وأضافت ميركل في كلمة ألقتها في مبنى بلدية فيتنبرغ أن “لوثر أطلق حركة لا شيء يمكن أن يوقفها (…) لقد وضع الأساس لفهم جديد للإنسان والتطور اللاحق للديمقراطية الحديثة”.

ودعت المستشارة الألمانية إلى مزيد من التسامح، مشيرة إلى “الدور الحاسم للكنيسة” في المجتمع.

وتجمع الآلاف في أزقة البلدة الصغيرة تحت المطر، لمتابعة البث المباشر للقداس ورؤية المستشارة تحيي الحشد من الشرفة الشهيرة للكنيسة.

وأوضحت وزارة السياحة الألمانية أن الاحتفالات بمناسبة نصف ألفية حركة الاصلاح، التي تميّزت بإقامة قداديس ومعارض وتجمعات في 700 مدينة ألمانية، جذبت ثلاثة ملايين سائح عام 2017.

واستعدت مدينة فيتنبرغ لهذه المناسبة منذ أشهر، من الهامبرغر إلى الألعاب ومحلات بيع التذكارات المليئة بمنتجات تتعلق بتماثيل لمارتن لوثر.

يشار إلى أن الراهب الألماني كان أحد أوائل الكتّاب باللغة الألمانية وصاحب الترجمة الأولى للكتاب المقدس إلى العامية، إلا أن اسمه يبقى مرتبطا أيضا بإحدى أحلك الصفحات في تاريخ ألمانيا بسبب انتقاده اليهودية في كتاباته. وكانت الأيديولوجيا النازية قد حاولت أن تستخدمه كغطاء ديني لأفكارها العنصرية إلا أن عددا كبيرا من البروتستانت قد أكدوا ابتعاد مؤسس مذهبهم عن مثل هذه الأوهام الهتلرية.

ومن الصعب معرفة أعداد أتباع البروتستانتية في العالم بسبب تفككها إلى عدد لا يحصى من الكنائس. ويقدر تقرير صادر عن مركز أبحاث “بيو” الأميركي المستقل أن هناك أكثر من 800 مليون من البروتستانت أي أكثر من ثلث جميع المسيحيين، في حين يشكل الكاثوليك حوالي نصف المسيحيين والأرثوذكس 12 في المئة.

أقدم دعوات الإصلاح بدأت على يد جيرارد في كنيسة لورين في عام 914، وعاصرتها دعوة أخرى تسمى حركة كلوين. ثم ظهرت في جنوب فرنسا حركتا الكاتاريين والوالدنيين، وتمكنت البابوية من القضاء عليهما. وفي عام 1383 توفي داعي الإصلاح حنا بعد أن طرد وأتباعه.

وفي أوائل القرن السادس عشر نادى آزرم بالإصلاح، واحتفظ بعلاقات طيبة مع الكنيسة والبابا ليو العاشر، ومثله فعل معاصره توماس مور. وفي بداية هذا القرن أيضاً ظهر مارتن لوثر ومنها جاءت كلمة بروتستانت، بينما الأرثوذكسية هي كلمة يونانية تعني “الرأي الحق المستقيم”، وهي التسمية التي بدأت في القرن الـ14، والكاتوليكية هي كلمة يونانية تعني “عالميًا أو جامعة” وذلك لأنها جمعت كل الكنائس الغربية وظهرت التسمية في القرن الـ11.

13