الكاريبي إدوارد غليسان: المغاور والزنازين وموانىء تجارة العبيد

الاثنين 2014/07/07
بإمكاني أن أتغير من خلال التبادل مع الآخر من دون أن أفقد شخصيتي

يعتبر إدوارد غليسان (1928-2011) أحد أعلام الثقافة والفكر في منطقة الكاريبي. وكان روائيا وناقدا وأكاديميّا مرموقا درّس الأدب الفرنسي في جامعات أميركية شهيرة. وفي مجمل ما كتب من روايات، ومن دراسات نقديّة وفكريّة كان يسعى دائما إلى الدفاع عن الثقافات المهمّشة والمهملة، والمهانة من قبل الثقافة الغربيّة تحديدا. كما كان يحرص على أن يكون قلمه ولسانه في خدمة القضايا العادلة خصوصا تلك التي تتّصل اتصالا وثيقا بالشعوب الفقيرة والمظلومة.

في نصّ بديع له بعنوان “ليس هناك حدود لا يمكن تجاوزها”، يتطرّق إدوارد غليسان إلى مسألة الحدود بين الثقافات، وبين الأنا والآخر. وقد كتب هذا النصّ تعليقا على صور أنجزتها الفنّانة “إنبال غيريرو” المفتونة بنساء “الفايوس” اللاتي يعشن غير معترفات بالحدود بين البلدان هناك في شبه جزيرة “غوجيرا” الكولومبيّة وإقليم “زوليا” في فنزويلا.


ضد البرجوازية


تعتبر المنطقة التي تعيش فيها نساء “الفايوس” من أكثر المناطق جفافا وقحطا على الساحل الكاراييبي. وعلى مدى قرون طويلة، دافعن عن حقوقهنّ وعن ثقافتهنّ، وعن أرضهنّ ضدّ الغزاة، وضدّ البورجوازية المحلية، وضدّ الحكومات التي تحاول فرض سلطتها السياسيّة والثقافيّة عليهنّ.

وقد تمكّنت نساء “الفايوس” من مواجهة المصاعب الناجمة عن الحرب الأهليّة في كولومبيا، بين الحكومة المركزية والحركات الثوريّة المسلّحة. ولهنّ أمّ تدعى “أيوا”، ومعناها “مطر الربيع”. وهنّ ينسجن ثيابا ألوانها مستوحاة من الطبيعة التي تحيط بهنّ. وبالصبّار الشوكيّ الذي ينبت في الأراضي الجافة، يعددن سقوف المنازل، وحيطان المقابر والأسيجة.


لا للحدود الجغرافية


في بداية نصّه كتب إدوارد غليسان يقول: “نحن نتعامل مع الحدود ليس كإشارات وعوامل للمستحيل، وإنما كأماكن مرور، وتحوّلات في العلاقة. التأثير المتبادل للهويّات الفرديّة والجماعيّة يتّخذ استقلاليّة حقيقيّة لكلّ واحدة من هذه الهويّات. العلاقة ليست لباسا ولا محلولا مشعشعا”.

ويضيف قوله: “بإمكاني أن أتغيّر من خلال التبادل مع الآخر من دون أن أفقد شخصيتي أو هويتي، ومن دون أن تصيبني تشوّهات من أيّ نوع كان. لذا نحن بحاجة إلى الحدود لا لكي نتوقّف، وإنما لكي نمارس هذا المرور من هنا إلى هناك، ومن الأنا إلى الآخر، وإبراز الجوانب العجيبة والرائعة في هذا المرور”.

ويواصل إدوارد غليسان مقاله قائلا: “بالنسبة إلى العلاقات الشرعيّة بين المجموعات نحن نلاحظ كم هو رائع أن نغادرها من دون ضغوطات، وأن نواصل بشكل طبيعي رحلتنا من المغرب إلى الجزائر، وأن نتنفّس هواء الصباح في فرنسا، وفي الظهيرة هواء أسبانيا، أو شمال إيطاليا، وان ننتقل من صحاري البيرو الزرقاء إلى صحاري الشيلي الحمراء، وأن نتذوّق في كلّ مرةّ الفروق بين هذا البلد وذاك، بين هذه الصحراء وتلك. وعلينا أن نعود إثر ذلك إلى المحرومين من هذه المتعة، متعة السفر السّهل، وأن ندرك كم هي ثقيلة وطأة مثل هذا الحرمان”.

غليسان يسعى من خلال كتاباته إلى الدفاع عن الثقافات المهمّشة والمهملة

ويتابع غليسان قوله: “بعد المسلسل الطويل لمطاردة المهاجرين السريين في أوروبا، خصوصا في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، أظهرت بعض القنوات التلفزيونية بعض المهاجرين السريين الذين أجبروا على العودة إلى مالي. وواحد منهم أنشأ بيتا على أرض عارية فيه يعلّم الأطفال في المنطقة التي ينتمي إليها، فكيف يتمكنون من عبور الحواجز الفاصلة بين الحدود؟”.


موانئ واحدة


يضيف إدوارد غليسان قائلا: «لهذا السبب تثير مشاعرنا الموانئ المخصصة لتجارة العبيد، أو غيرها، وأيضا المغاور والكهوف والزنازين والمحتجزات التي ليس بالإمكان إصلاحها، والأماكن التي تؤلمكم، وتلك التي تجهلونها، المتعددة والاستثنائيّة،“أوشفيتز”و”غوري” و”روبين إيزلاند” و”حصن جوكس” و”مغارة نجيباو” و”سان بيار دي مارتينيك” وكل براكين الأميركيتين و”بابا موي” و”ماتويا” وقد تحوّلت إلى رماد، والمزارع المحصّنة بالقصب، وقرطاج والملح الأسود، وبطون البواخر المعدة لتجارة العبيد، وصربيّات الملح الأحمر، وهيروشيما وناغازاكي، وقبيلة الأمير عبدالقادر، وسور الصين العظيم، والمديد إلى حدّ يستحيل بلوغه، أو إنهاؤه، وزنزانة سقراط، ومكتبة تومبوكتو، وعواصف كاترينا، وبركان أمبيدوقليس، وأكواخ القصدير المكدسة هنا وهناك في جميع أنحاء العالم، وصحاري الشرق، وزلزال لشبونة وسان فرانسيسكو، وبغداد ومكتباتها التي أحرقت أكثر من مرة!».

ويختم إدوارد غليسان مقاله قائلا: «ولكن مهما ذكرتم من كلّ هذا فإنكم لن تبلغوا نهاية الطريق. وبمعنى ما، فإن الميناء هو كهف بأعماقه ومشتقاته. ليس هناك مكان جدّ قريب، وجدّ بعيد منكم في نفس الوقت مثل الميناء، اللهم صخرة أو مجموعة من الصخور في البحر، أو محتشد في نهاية حقل مغطى بالثلوج بمنطقة يصعب عبورها، أو منجم ذهب في البرازيل تحت السماء العارية. إذن لماذا تريدون أن تتعسّفوا على ذاكرة الذين نسوا إن كنتم لا تملكون القدرة على دخول وعبور المغارة المشتركة بيننا. وعلينا أن نتذكر جميعا، وكلّ ذاكرة تتقاسم ذكرياتها مع الأخرى، أن الموانئ هي الحدود المفتوحة للخيال».

14