الكاريكاتير.. الرسائل السياسية المشفّرة

الأربعاء 2014/01/15

لا يختلف إثنان على أن رسام الكاريكاتير له عين بصيرة وخيال واسع، وأن تعبيراته الفنية لها من النقد ما يفوق التقارير الصحفية، لاسيما في ظل ما تخلقه من حرج لأصحاب السلطة والعرش، خصوصا في تلك البلدان التي مازالت تئن تحت وطأة الاستبداد.

لذلك ليس غريبا أن تزج السلطات الجزائرية جمال غانم تحت الرقابة القضائية بتهمة إهانة رئيس الجمهورية وخيانة الأمانة ، حول رسم لم ينشر بعد، في أقبية ودهاليز، حيث يحشر العديد من أصحاب الكلمة الحرة. الرسم الكاريكاتيري تضمنت فكرته على حوار بين صاحب محل لبيع «حفاضات الأطفال» يخاطب الزبون قائلاً «تريد حفاضات لأي شريحة من العمر»، ويرد عليه الزبون «العهدة الرابعة»، في إشارة لاحتمالية ترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة. العجيب أن الرسم لم يتم نشره بل عثرت عليه إدارة الجريدة في أرشيف الفنان بدون أن يقدمه للإدارة التحرير، فسارعت إلى إيداع الشكوى.

ولا تلام حكومة بوتفليقة في هذا الإجراء إذا اعتبرناه قرارا سياسيا يستهدف حرية التعبير، خصوصا وأن رصيد السلطات الجزائرية يتخطى تلك الحدود بكثير لمزيد بسط نفوذها على سلطة العرش، ولا تلام الأنظمة العربية، هي الأخرى، في مواجهة تلك التعبيرات التي ترقى إلى مستوى تهديد النظام العام، حسب وصفها ، نظرا إلى التحريض والدعاية اللذين يختص بهما الشكل الصحفي، بعدما نجح مبدعو الرسم الكاريكاتيري في عسكرة الواقع المتردي واعتمدوه سلاحا لمواجهة وفضح سياسات النظام، فحولوا قادة الاستبداد إلى أضحوكة بين الجميع، مما خفض شعبيتهم لدى الرأي العام.

لذلك فإن سلطان هذا الفن الجميل الذي بني على الكفاح النضالي استطاع إيصال رسالة حقيقية عن واقع ما يحصل على الأرض خلافا لما يتم الترويج له في عموم الإعلام الحكومي، كفن ناقد ظلت تردعه الحكومات. والملاحظ أن رسام الكاريكاتير يتناول المواضيع ويعالج القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بروح نقدية ساخرة، ومهما اختلفت مضامينها فإن الهدف ظل فضح الخيارات السياسية الفاشلة، ولا يحتاج فك رموز وشفرات مضمون رسم الكاريكاتير إلى جهد كبير وإضافي، حيث أن ما يميز هذا الفن أن له تعبيرات سهلة القراءة والفهم مقارنة بالتقرير الإخباري.

لكن تبقى صورة رسم الكاريكاتير تؤرق السلطات بسبب مواقف المعارضة الساخرة التي تتخذ موقفا معارضا للأداء السياسي، لذلك فإن الانتهاكات التي يتعرض لها الرسامون عادة ما تخفي وراءها تهما ترقى إلى جريمة التكفير أو الإرهاب وتقارير المنظمات الدولية أفضل شاهد على الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون وأصحاب هذا الفن الساخر والناقد لأداء الحكومات. ورغم أن هذا الشكل الصحفي انتقل في صحفنا العربية واليومية من وسيلة للضحك والسخرية إلى معالجة القضايا المجتمعية، غير أن ذلك لم يمنع تكبيلها بقوانين تقارب التجريم.

18