الكاريكاتير في تركيا.. نزعة قومية مقيدة بعقلية أتاتورك

يطرح النقد الواسع الذي يوجهه فنانو الكاريكاتير الأتراك للسلطة السياسية وخاصة حزب العدالة والتنمية الحاكم تساؤلات عن الازدواجية بين حرية التعبير والتوظيف السياسي والأيديولوجي؛ فمنذ تطور الكاريكاتير وشتى الأنماط الفنية الساخرة في تركيا، تميز هذا الفن بنزعة غير محايدة في خطابها ذلك نتيجة هيمنة الفكر القومي المتشدد والأيديولوجيات العلمانية على أغلب الفنانين والنشريات الساخرة.
الأربعاء 2017/04/12
دكتاتورية ساخرة

أنقرة – لا تقتصر المجلات الفكاهية على التسلية أو نقد ظاهرة، بل هي أدوات أساسية للإنتاج والتوزيع الثقافي والسياسي. ويكتسي فن الكاريكاتير بالأخص صبغة ابعد من مجرد تأملات فكرية في الحياة اليومية بل هو أيضا رواية خيالية أيديولوجية ومتلاعبة تهدف إلى تشكيل الرأي العام، وتقدم المنشورات الفكاهية التركية أبرز دليل على ذلك، حيث تصطبغ ما تعرضه من رسومات ساخرة بتوجه سياسي متعصب للعلمانية الأتاتوركية.

ويعتبر الكاتب والمحلل التركي سيرتاك تيمور ديمير أن أغلب رسامي الكاريكاتير الأتراك أفرطوا في هذا التوجه لدرجة أنهم لا ينتقدون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم بسبب سياستهما الخاطئة، بل بسبب رفضهم الأيديولوجي العام للإسلاميين وللعثمانيين الأتراك.

يسلط سيرتاك تيمور ديمير في دراسة له حول المنشورات الفكاهية في تركيا بين السلطة والمعارضة، صدرت عن مجلة “تركيا الجديدة” (دو نيو تركي)، الضوء على هذا الخطاب الشبيه بالكليشيهات من خلال تناول البعض من المجلات الشهيرة مثل لمان وجرجير وبانغوان وويكوسوس.

بالعودة إلى الخلفية التاريخية نجد أن المجلاّت الفكاهية في تركيا وضعت نفسها داخل منظومة علاقات القوة منذ أواخر عهد الخلافة العثمانية وتلاعبت بالمجال السياسي والفني من خلال رسوم كاريكاتيرية ساخرة. وتم رسم السلطان عبدالحميد الثاني على أنه قاتل ماكر ومتحجر وقاس.

وخلال الفترات التي سيطر فيها حزب الوحدة والتقدم والسنوات الأولى لتأسيس الجمهورية التركية، دخلت المجلات الواقعة تحت سيطرة فناني الكاريكاتير القوميين العلمانيين في فترة من الصمت وقبلت بشكل من الأشكال الإصلاحات دون مساءلة حتى النزعات الكليانية ونقدها.

وحده كان أتاتورك، وما يزال، الشخصية المقدّسة التي تسمو عن النقد في المجلات الفكاهية. حتى ماركو باشا، إحدى المجلات الأكثر معارضة والتي تعرضت إلى أكبر العقوبات في تاريخ الجمهورية التركية لم تتردد في توجيه نقد حاد لخليفة أتاتورك عصمت اينونو، المعروف باسم القائد الوطني، بزعم انحرافه عن المبادئ الكمالية. ودعّمت هذه المجلة التي يتحكم فيها مفكرون ذوو خلفيات غربية موقف النزعة الجمهورية العلمانية بينما همشت الدين والتقاليد ليس ضمن النظام السياسي فحسب بل وكذلك في الحياة اليومية.

ونتيجة لهذا المنظور المتصلّب وفّرت كل هذه المجلات أساسا فكريا لإعدام عدنان مندريس رئيس الحكومة الشرعي بعد انقلاب سنة 1960. وبصفتها ممثلة الهيمنة الثقافية سارت المجلات الفكاهية بانسجام مع الحكم العسكري في التاريخ التركي الحديث المليء بالانقلابات العسكرية والمؤامرات إلى حد إنتاج إصدارات تسلية وذات منحى غرامي بالرغم من الصراعات الاجتماعية السياسية في الفترة الممتدة من الستينات إلى التسعينات من القرن العشرين.

تجاهلت هذه المجلات أيضا موجة التصفيات التي تعرض لها المئات من الباحثين والسياسيين على أيدي معتدين مجهولين في سنة 1993، والأدهى من ذلك كله، حظيت المذكرة العسكرية لسنة 1997 بقبول فناني الكاريكاتير. لقد تحوّلت حرب الهيمنة بين المحافظين والعلمانيين، بين القوميين والاجتماعيين، بين التقليديين والإصلاحيين، إلى فصل ثقافي شديد بعد أن تأسس حزب العدالة والتنمية وأصبح أردوغان رئيس وزراء.

الفكاهة دون أردوغان مستحيلة تقريبا، ومعارضة الفكاهيين له مركّزة أساسا على وجوده "الشرير"، وإن كانت سياساته ساهمت بشكل كبير في خلق مشاكل في تركيا والشرق الأوسط

يمكن تفهّم أن تكون الفكاهة أيديولوجية وذاتية شريطة أن تجعل معارضتها في اتجاه ينبني على المبدأ، ويجب أن يكون أساس هذا المبدأ الضمير والعدل والشجاعة.

بيد أن المنشورات الفكاهية في تركيا متحيزة وتقوم على الوصاية حتى أنها ساندت الانقلابات العسكرية التي مرت بها البلاد منذ أواخر العهد العثماني، فضلا عن مساحة الحرية التي تبلغ حد السخرية الحادة والإهانة للمعارضين السياسيين أو المبعدين، وذلك في موقف مساند للسلطات الرسمية واعتمادا على القومية الكمالية.

لم يقتصر الأمر على الخليفة العثماني عبدالحميد الثاني حيث يشمل الأمر عدنان مندريس، الرئيس المنتخب، والذي أعدم شنقا، إذ تعرّض بدوره إلى النقد اللاذع من الفكاهيين.

وفي الوقت نفسه لم يتفوّه فنانو الكاريكاتير بكلمة واحدة حول النظام العسكري. زيادة على ذلك، تواصل الموقف نفسه في 12 مارس 1972 و12 سبتمبر 1980 و28 فبراير 1997 و27 أبريل 2007 وحتى 15 يوليو 2016. في الواقع ترافق صورة أردوغان في هذه الدوريات الزعماء السابقين المطاح بهم أو على الأقل “المعاقبين”. تم رسمه كقرد وجمل وبقرة وضفدع وثعبان، وتم تصويره كشخصية متزمتة وفظ.

وفي ما يخص المعارضة السياسية في تركيا فقد حظيت بالتعاطف. مثلا لم يتم أبدا نقد حزب العمال الكردستاني وحزب التحرير الثوري الشعبي وصقور حرية كردستان من قبل الفكاهيين اليساريين الذين يهيمنون على هذا المجال، ولا تربط عبارة “إرهاب” إلا بأردوغان والدولة.

لقد أصبحت اليوم الفكاهة دون أردوغان مستحيلة تقريبا، ومعارضة الفكاهيين له مركّزة أساسا على وجوده “الشرير”، وإن كانت سياساته ساهمت بشكل كبير في خلق مشاكل في تركيا والشرق الأوسط.

أحد مآزق المنشورات الفكاهية، ليس في تركيا فحسب لكن أيضا في كل أنحاء العالم، هو الازدواجية بين الرقابة وحرية التعبير. عموما يميل الفكاهيون إلى اختصار الحرية في الحرية غير المحدودة وتعريف الرقابة على أنها تقييد لها. لكن مثلما الحرية لا تحيل إلى إطلاق اليد، فإن الرقابة ليست نقيضا لها.

من المفارقات أن مفهوم الحرية الذي يزداد غموضا ويصبح أكثر تعقيدا مع كل يوم يمر في الثقافة المعاصرة يوضع في موضع إيجابية مطلقة، لذلك يتم إلى حد ما تجاهل مهمتها التدميرية في سياق النظرة للعالم القائمة على الاستهلاك.

المنشورات الفكاهية في تركيا متحيزة وتقوم على الوصاية

وحسب الانطباع العام المتحصل عليه من التصريحات التي أطلقها الفكاهيون، فإن حزب العدالة والتنمية هيمن على مجلات الفكاهة ورفع قضايا للحصول على تعويضات إلى درجة أن المؤرخ للفكاهة تورغت جافيكر يصف عهد حزب العدالة والتنمية على أنه الفترة الأكثر تطرفا، والتي تم فيها قمع رسامي الكاريكاتير وتهميش الفكاهيين. واعتبرت هذه القضايا علامة صمود ضد السلطة السياسية.

إن المجلات الفكاهية التي اتخذت موقفا ضد حكومة حزب العدالة والتنمية في كل أزمة تقوم بتقسيم المجتمع إلى أصناف والتمييز. من جهة تشدد على أهمية السلام والتضامن في المقابلات الصحافية، لكن من جهة أخرى تثير بأعمالها التفرقة وخطوط الصدع لتركيا المعاصرة على أنها أتراك وأكراد وعلويون وسنّة وعلمانيون ومحافظون.

ويمكننا تصوّر هذه المقاربة غير القائمة على المبدأ بأنها “دكتاتورية الفكاهة”. وكمثال على هذه المقاربة، ركزت المجلات الفكاهية على بركين ألفين وعلي اسماعيل كوركماز اللذين توفيا أثناء احتجاجات منتزه جيزي، لكنها لم تقل شيئا عن ياسين بورو وسراب اسار اللذين قتلهما حزب العمال الكردستاني وتفريعاته.

دون شك أغلب الفكاهيين القوميين في تركيا ليسوا نخبة بل نخبويين وهم بعيدون عن المشاكل الحقيقية للمجتمع الذي يعيشون فيه. خلال كامل تاريخ الجمهورية عمدوا إلى نقد المدنيين عوضا عن النخبة إلى حد أنهم اضطلعوا بأدوار نشطة في شرعنة وصاية العسكر. كانوا أكثر تصلبا وتزمتا حتى من الغوغائية الدينية على الرغم من تعريف أنفسهم على أنهم مبدعون وكاسرون للكليشيهات وإصلاحيون.

ومن ثم بينما تترك الحقائق مكانها إلى الأيديولوجيات القائمة على العواطف في المجلات فإن المعارضة تتحول إلى اعتداء فاحش.

ومنذ عهد التنظيمات العثمانية، أصبحت السلطة السياسية والسلطة الثقافية منفصلتين وحتى متقابلتين. لذلك حتى وإن كانت الحكومات ناتجة عن انتخابات فإن السلطة في معظمها تبقى في أيدي النخبويين الراسخين، والأهم من ذلك بالرغم من أن المجلات الفكاهية تصف نفسها على أنها “الأسبوعية غير الرسمية” فإنها تعيد خطاب أولئك الذين يرون أنفسهم أكثر مساواة من غيرهم.

بعبارة أخرى، بما أن المجلات الفكاهية تقف في صميم التاريخ والأيديولوجيا الرسميين، فهي ليست مرتبطة بالمجتمع ولا تخدم مصالحه ولا تقف معه.

12