الكاريكاتير ينزوي في الصحافة المصرية.. "الحكومة لا تحبه"

إدارات التحرير لا تعمل من أجل تطوير الكاريكاتير وتستثمره لسد الفراغ، ووسائل التواصل وجهت ضربة للتخطيطات الناقدة.
الاثنين 2018/04/09
نافذة للحرية

القاهرة - محمد عبدالهادي - تقلصت مساحة رسومات الكاريكاتير في الصحف المصرية وبدأت في الانزواء من مجلات عريقة كانت تعتمد عليها بصورة أساسية مثل “صباح الخير” التي صدرت قبل 62 عاما، وكانت تسمى “المعرض الأسبوعي” للفن بسبب كثرة أعداد الرسومات الكاريكاتيرية والتعبيرية على صفحاتها.

“الحكومة لا تحبه”.. بتلك العبارة رد مسؤول في إدارة تحرير إحدى الصحف القومية بمصر على سؤال رسام كاريكاتير بالجريدة، تساءل عن تراجع مساحة نشر أعماله، لتعبر عن ظاهرة باتت ملاحظة في الصحافة المصرية من اختفاء رسومات الكاريكاتير التي تحمل قدرًا من الانتقاد للمسؤولين.

وكانت مجلتا “روز اليوسف” الصادرة عام 1925، و”صباح الخير” التي ظهر عددها الأول في 1956 تعتمدان طوال تاريخهما على الكاريكاتير وضمتا 23 فنانًا بينهم رسامون كبار، مثل جمال كامل وإيهاب شاكر ومأمون عبدالعال وحسن فؤاد، لكنهما اليوم باتتا تضيقان بالفنانين الذين تسيطر عليهم حالة قلق من المستقبل.

ورغم قدرة الكاريكاتير كفن تحريضي على التلون طوال تاريخه بمصر، لينتقل إلى النكتة في أوقات التضييق، أو الهجوم المباشر حال وجود مناخ للتعبير باعتباره بالون اختبار حقيقي لمساحة الحرية الصحافية، يشكو الرسامون من أن الكاريكاتير كفن لم يعد مقبولا من الأساس حتى ولو ابتعد عن السياسة وتطرق إلى النكتة.

واتسمت علاقة الحكومات بالكاريكاتير في مصر بالتذبذب منذ ظهوره في القرن السابع عشر. فبعض الوزراء تقبلوه بصدر رحب مقدرين أن قيمته في احتوائه على جرعات عالية من السخرية والنقد. والبعض الآخر تعامل معه بصورة مغايرة تمامًا.

تاريخ الرسوم الكاريكاتيرية في الصحف والمجلات المصرية يمتد إلى عقود مضت، لكنه بدأ بالتراجع لعدم تفهم بعض المسؤولين في إدارات الصحف لطبيعة هذا الفن وأهميته.

ويقول عمرو عكاشة، رسام الكاريكاتير في صحيفة الوفد الحزبية منذ ربع قرن، إن بعض إدارات التحرير حاليًا في الصحف لا تقدر قيمة هذا الفن وتتعامل معه كمساحة لسد الفراغ في الصفحات فقط، ليؤدي دورًا شبيهًا بالصور الموضوعية.

ويضيف عكاشة، لـ”العرب”، أن الجمهور الحالي مختلف عن جماهير الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي الذي كان يقدر نتاج الفن الراقي في الغناء والتشكيل والكوميديا، والجيل الحالي من إدارات الكثير من الصحف نتاج للثقافة الجديدة التي تريد المعلومة المباشرة.

ويرى الرسامون أن الأجيال الجديدة من المسؤولين والمواطنين العاديين لا تتقبل النقد. قديما كان إبراز العيوب كالإفراط في رسم الطوال يتم تقييمه على مستوى الفكرة، وحاليًا يتم توصيفه على أنه استهزاء يجب معاقبة من أقدم عليه.

ويقول عكاشة إن وسائل التواصل الاجتماعي وجهت ضربة قاتلة للكاريكاتير، فأي شخص ملم بالغرافيك يمكنه اقتصاص مقطع من أحد الأفلام القديمة وتركيب عبارات ساخرة عليه ونشره على مواقع التواصل بشكل أسرع من الكاريكاتير الذي كان فيما مضى وسيلة للتعبير عما في داخل المجتمعات من مشكلات وأزمات.

ويوضح أنه لا توجد تعليمات حكومية بمنع الكاريكاتير أو التضييق عليه لكن المعضلة تكمن في تخوف إدارات التحرير من تبعاته أو عدم إيمانها به، وضرب مثالاً أحد رؤساء التحرير الذين عمل معهم ورفض رسما يتضمن مساحات من الانتقاد على لسان فأر بحجة أنه “لا يوجد فأر يتكلم”.

ووضع الفنانون في أغلبية العصور خطًا أحمر غير مكتوب يمنع الاقتراب من رئيس الجمهورية، لكن الخطوط الحمراء تزايدت لتتضمن رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين.

ويتفق معظم الرسامين على أن مساحات التضييق عليهم ليست صادرة من السلطة، إنما هي نابعة من إدارات بعض الصحف التي تجهل قيمة الكاريكاتير وأصبحت تخشى أن تفهم أي رسمة بصورة خاطئة.

لا وجود لتعليمات حكومية بمنع الكاريكاتير أو التضييق عليه لكن المعضلة تكمن في تخوف إدارات التحرير من تبعاته

ويقول أحمد كامل، رسام كاريكاتير سابق في “روز اليوسف”، إن الكثير من إدارات التحرير في الصحف حاليا تجهل قيمة الكاريكاتير كفن وتضيق ذرعًا بمساحة هجومه، والبعض يحذفه حال ورود إعلان، ونوع ثالث يريد تفريغه من مضمونه كعنصر هجومي وتحويله إلى خطوط من المدح.

ويرتبط مصير الكاريكاتير في مصر أساسا بمدى إيمان إدارة التحرير بأهميته؛ ففاطمة السيد رئيسة تحرير “روز اليوسف” سابقًا خصصت لكل صفحةٍ كاريكاتير، وكانت تؤجل صفحات هامة كالتحقيقات. ومفيد فوزي قرر إبان رئاسته تحرير مجلة “صباح الخير” منذ عقدين أن يصدر عددًا كاملاً بدون مادة تحريرية وبرسوم كاريكاتيرية فقط.

وأضاف كامل، لـ”العرب”، أن تراجع مساحة الكاريكاتير في الصحف ليس ناجما عن قلة أعداد الرسامين أو انخفاض إنتاجهم، فهناك حجم إنتاج ضخم يظل قيد الأدراج حبيسا ينتظر النشر.

ففي مؤسسة “أخبار اليوم” الحكومية، اتخذ الكاريكاتير إطارا مؤسسيا بمجلس تحرير خاص يضم رئيس التحرير والرسامين، وتمخض عن تلك الفكرة ظهور الثنائي الشهير أحمد رجب ومصطفى حسين، اللذين كانا سببا في زيادة توزيع جريدة “الأخبار” وجعلا القراء يبدأون قراءتها من الصفحة الأخيرة التي كانت تضم رسمهما اليومي، بدلاً من الصفحة الأولى.

ويقول أحمد جعيصة، رسام بـ”صباح الخير”، إن حل أزمات الكاريكاتير في مصر مرتبط في المقام الأول برؤساء التحرير الذين يمكنهم حتى في حال وجود ضغوط أن يناوروا ويسمحوا بالنشر، مثلما كان يحدث في عهد نظام حسني مبارك، فلا توجد حكومات سترفض وجود النكتة الصرف.

وأضاف، لـ”العرب”، أن مجلته كانت فيما مضى مليئة بالكاريكاتير الذي يعبر عن أفكار وقضايا وحاليا باتت الرسومات عنصرا مكملا داخل الموضوعات، وأصبح نشر الكاريكاتير مرتبطًا بوجود صفحة خالية إذا تم ملؤها سيتم الاستغناء عنه.

18