الكاسيت الإسلامي وسيلة صعود شيوخ الفضائيات الباحثين عن المال

الأحد 2014/10/12
وهج الكاسيت فتح طريق النجومية لعديد الدعاة

قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاما، لم يكن لرجال الدين ظهور مؤثر عبر التلفزيون منذ انطلاقة بثه في السعودية، كان الخطاب متسامحا كثيرا عكسته بعض البرامج الدينية التي حققت جماهيرية كبرى في ذلك المجال، لأن الحديث كان أكثر قربا من الناس وببساطة رافقت تطور السعوديين بعد مرحلة النفط التي جعلت التمدن حاضرا والخطاب الديني الذي لا ينفك عن المجتمع حاضرا.


البداية مع الطنطاوي


كان الشيخ علي الطنطاوي، أشهر من قدم برامج الدين المؤثرة في التلفزيون السعودي وذلك في مرحلة سبقت الصحوة، عبر برنامجه “نور وهداية” بينما كان في الظل المنبري دعاة آخرون تحدثوا في مراحل مختلفة عن العقيدة وأسسها والمنهج الإسلامي الحنبلي.

أولئك الدعاة ومنهم الطنطاوي، كانت أساليب حديثهم محبوبة لدى المجتمع السعودي، لكن بعد تشكيل المؤسسات والانفتاح الاقتصادي في المملكة اتجه الناس إلى المنابر مع الحفاظ على جماهيرية الطنطاوي وغيره ليسمعوا آيات التحريم في قضايا مجتمعية كان أبرزها التعاملات القانونية والبنوك، ولم تكن تنفك عنها.

وطوال تلك السنين التي كان المنبر والتلفزيون حاضرين في حياة السعوديين، كان خطاب المشايخ تحت أعين الدولة التي لم تبد قلقها من معظمهم لأنه يأتي كنتاج مرحلة حيوية تعيشها البلاد، لا يحبذ فيها الكثيرون من رجال الدين الجديد، وكان جهيمان العتيبي يعد عدته وخططه للانقضاض على حياة السعوديين ويبدلها إلى مرحلة جعلت كل شيء مختلفا حتى في مستوى الخطاب الديني الذي أخذ بعدا آخر تلقفته أيد كثيرة تركض خلف رايات التحزب.

مرحلة جهيمان واقتحامه للحرم، غيرت كل شيء في ذلك الخطاب الإسلامي، وبدأت معها الدولة بعد تصفيته مرحلة تكثيف إعلامي لخطاب متجدد، لكنه أتاح لكثيرين فرصة أن يعلنوا أحزابهم في معركة فكرية أصيلة استفادوا كثيرا من تخفيف الدولة كل ما يغضب بعض التيارات الدينية، بل وجعلت تلك التيارات تتخذ مكانها في اقتحام المجال التعليمي والتربوي.


ظهور الكاسيت وأبطاله


استغرقت مرحلة ما بعد جهيمان زمنا لينشأ جيل دعوي لكل طيف وجهته التي يوليها، شكلوا فسيفساء دعوية تطرقت بجرأة إلى نقاش ملفات وقضايا مجتمعية محورها الدائم الشباب، ذكورا وإناثا، أصبحوا مادتهم من خلال منابرهم الجديدة.

المنابر الجديدة بدأت من خلال الكاسيت، نشطت معها أسماء الدعاة الذين يسمون بـ”الدعاة الجدد” استغلوا ذلك العطش لدى عامة المجتمع، وشحّ الكلمات الوعظية، متأثر غالبهم بمدرسة الإخوان من سوريا ومصر، التي تبدع في نقاش المناطق الجدلية بل وتذهب بعيدا إلى تعزيز قوتها في نقد السلطة وبعض الأجهزة وتحمليها المسؤولية، وتجعل العقول الجمعية في العموم مؤيدة لها وتتربى على تقديسها من خلال تلك الأدوات.

يعد أبرز من حمله بساط الكاسيت إلى أفق النجومية الدعوية محمد العريفي الذي كان كاسيته "المشتاقون إلى الجنة" أكثر تلك الأشرطة الصوتية انتشارا وتوزيعا، حتى نشرت صحف المجلات الدعوية أن العريفي وزع منه أكثر من مليون نسخة


الغزو الفكري


طريقتهم الصوتية في الوعظ، تنتهج أسلوب التضخيم الكبير للأحداث، عززوا فكرة “الغزو الفكري” وأن هناك من يخطط لاختطاف العقول للتجنيد الفكري داخل السعودية، بل وجعلت ذلك مادة دسمة للمراكز الصيفية والحلقات القرآنية التابعة لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، لتعزيز محتوى الكاسيت الصانع للتغيير وصانع الوهج التجاري للدعاة.

كلماتهم يشوبها الحزن، وسط مؤثرات صوتية عالية، ليس لها تأثير يمس العقيدة، بل جلها تقوم على أحداث الواقع المضخمة في نقاشاتهم، يحومون حول المرأة وحجابها، وحول الغناء والمعازف، ولن ينسى المجتمع السعودي ثورة الكاسيت ووهج الدعاة الكلامي بعد إلغاء الرئاسة العامة لتعليم البنات وضمها إلى وزارة المعارف قبل أكثر من عشرة أعوام، وهي تعود إلى ما قبل ثورة الإنترنت والمنتديات الإلكترونية.


نجومية المشايخ


وهج الكاسيت فتح طريق النجومية لأولئك الدعاة الذين يشكلون الحضور الكبير اليوم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ينتمي غالبيتهم إلى التيارين السروري والإخواني، هم من يسمون بالصحويين كرداء يخفي التوجه الحقيقي لتلك الفئات، القادرة على التفوق في صنع الخيالات، وهمهمات الصوت الحزين، وفتحوا خزائن الجيوب لرجال دين آخرين لتأسيس شركات إنتاج عديدة تحول بعضها بعد خفوت سحابة الكاسيت إلى إنشاء قنوات دينية تمارس ذات الدور وبعضها كشف دورها الظلامي.


محمد العريفي


يعد أبرز من حمله بساط الكاسيت إلى أفق النجومية الدعوية، كان كاسيته “المشتاقون إلى الجنة” أكثر تلك الأشرطة الصوتية انتشارا وتوزيعا، حتى نشرت صحف المجلات الدعوية أن العريفي وزع منه أكثر من مليون نسخة، وهي صفقات كان يركض إليها الساعون إلى “فعل الخير” لنشر ذلك الكاسيت الذي كان ظهور العريفي الأكثر رواجا كصوت دعوي جديد، استغل لصالحه تجاريا.

ساق الكثير من جمهوره عبر ذلك الكاسيت وما خلفه من خطب صوتية إلى مرحلة الإنتاج التلفزيوني من خلال بعض البرامج الدينية التي كانت محتوى جيد لقنوات عامة خلال شهر رمضان، أبرزها برنامجه “مسافرون” وبرنامجه عبر قناة اقرأ “ضع بصمتك” محلقا بالجماهيرية وعازفا على أوتار الطائفية والجهاد.


سعد البريك


رمز صحوي شهير، خطيب بارع في حشد الجماهير، كانت الحشود المستمعة له تراه رمز تغيير قوي في المشهد الوعظي، يتفوق على بقية أقرانه بأنه ذكي في التقاطه الأفكار وسلاستها، لكنها غالبا تكون موبوءة المحتوى وقد ظهرت لاحقا، كان في جل أشرطته الصوتية يناقش المرأة والتغريب، حقق حضورا لافتا بعد كاسيت يحكي حال المرأة السعودية في أواخر الثمانينات، ثم تفجر الحضور التجاري عبر كاسيت “توبة صادقة” الذي صاغ فيه سيناريو دينيا بحشرجات البكاء والأصداء لا يخلو من الأوهام.

إضافة إلى ذلك، أصدر كاسيت “مهلا دعاة التحرير” بعد حرب تحرير الكويت تطرق فيه إلى قضية قيادة المرأة للسيارة، نقله ذلك الكاسيت، ذو العنوان التسويقي إلى أفق التجارة، وطرق أبواب كثيرة في مقاعد الفضائيات، متخذا مسارا مختلفا وراءه ما وراءه.

استغرقت مرحلة ما بعد جهيمان زمنا لينشأ جيل دعوي لكل طيف وجهته التي يوليها، شكلوا فسيفساء دعوية تطرقت بجرأة إلى نقاش ملفات وقضايا مجتمعية محورها الدائم كان الشباب


عائض القرني


نجم منبر أبها الجنوبية، كان خارجا متحمسا على بعض المسارات الوطنية، ظهر في فترة سابقه سعد البريك لكنه يتميز بخطبه الموجهة والموضوعية، كان قويا في فترة الجهاد الأفغاني، في وقت كان هو خطيب منطقته الأول، الحاشد للجماهير، المناهض لظهور المرأة ومشاركتها قبل أن يصبح خطابه أكثر رقة. حكواتي الصحوة والكاسيت، القرني، مر بتجارب عديدة جعلته يسلك ذات المسار الذي أصبح عليه البريك، رغم أنه يعلن براءته من أيّ تنظيمات أو ميول سياسية، وتأتي تلك الآراء مع صيت وحضور الشبكات الاجتماعية الطاغي.


سلمان العودة


زعيم السرورية في السعودية، ذكي إلى درجة المراوغة، بزغ نجمه في الثمانينات، وتوهج مع فترة التسعينات ليشكل صوت الصحوة الكبير الكاسح لسوق الكاسيت، جمهوره اليوم من كل الفئات، هناك من يعتبره مفكرا وهناك من يعتبره واعظا، وتميز عن البقية بالإفتاء، له مواقف سياسية كبيرة في تسجيلاته، التي حركت سوق الصحوة.

أبرز تلك التسجيلات الصوتية كانت كاسيت “من وراء القضبان” تم توزيعه بصورة كبيرة خاصة في مدينة بريدة مسقط رأسه، وكان خلالها في السجن، بتهمة الخروج وتأليب الرأي العام نتيجة لما سبقها من تسجيلات وتقارير وخطب، لكن هذا الكاسيت انتقد علنا الدولة السعودية خاصة في مجالات الحريات والحقوق.


ناصر العمر


كبير الصحويين، يغيب كثيرا ليظهر باكيا ومتحديا، سروري المنهج، له جيش من الجماهير غالبيتهم من جيلين سابقين، لا يكترث لما يقال عنه، لكنه مراوغ يحمل شعرة معاوية في خطبه ودروسه التي تتسابق عليها شركات الإنتاج، ولو كان مقلا في ذلك لكن أهم كاسيت له هو “السكينة” الذي رد فيه على الوزير والأديب السعودي غازي القصيبي بعد سجالات “حتى لا تكون فتنة”.

سعيد بن مسفر أسلوبه المرح جعل له قيمة تلفزيونية، وأصبح نجما جيدا في المنافسة، لكن لسنه الكبير مقارنة بالأسماء الأخيرة أصبح بعيدا معتكفا في مدينة مكة، تاركا كل ذلك ومحتفظا بماركة اسمه التجارية

اصطدم قليلا ببعض رموز المؤسسة الدينية الرسمية، في حرب ما يعرف بـ”الجامية” لكنه يغيب كثيرا حتى تهدأ الساحة ويعود، ليس له اليوم حضور في أوساط الشباب، فمستوى قيمته أصبح عاليا خاصة خارج حدود بلاده.


سعيد بن مسفر


داعية لا يقل عن باقي الرموز في أن الكاسيت الإسلامي صنع نجوميته، تطرق إلى قضايا الأسرة والشباب والمرأة، فنجح في ظل غياب المؤسسة الدينية الرسمية في التطرق إلى تلك القضايا، كان كاسيت “أشراط الساعة” نقطة تحول كبيرة في وهجه وحضوره، زاد عليه أن يحصل على تطور خطابه التجاري الديني من خلال كاسيت “عندما ينتحر العفاف” أصبح أكثر رواجا في الأوساط النسائية مع ظهور طفيف لداعيات سعوديات.

أسلوبه المرح جعل له قيمة تلفزيونية، وأصبح نجما جيدا في المنافسة، لكن لسنّه الكبير مقارنة بالأسماء الأخيرة أصبح بعيدا معتكفا في مدينة مكة، تاركا كل ذلك ومحتفظا بماركة اسمه التجارية، خاصة وأن الصمت حلّ معه بعد سقوط الإخوان المسلمين عن حكم مصر.

8