الكاظمي.. إنقاذ الشعب أم النظام السياسي

كارثة سياسية ستلحق بالكاظمي أمام جماهير ثورة أكتوبر وشعب العراق إذا صحت دعوته إلى إعادة الثقة بالنظام السياسي.
الثلاثاء 2021/05/11
هل للكاظمي القدرة على تنفيذ مشروعه المعلن

يحاول رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أن يترك انطباعا لدى متلقيه من خلال تصريحاته في اللقاءات والمؤتمرات الصحافية، بأنه عارف ومُلّم بالمشكلة الجوهرية للنظام السياسي الحالي مع شعب العراق، وأبرز عنوان لها أزمة الثقة بين الشعب والنظام القائم رغم أن هذه المعرفة السياسية لا تشكّل ميزة نادرة إذا جاءت في إطار التحليل السياسي والإعلامي وهو لم يكن بعيدا عنه على المستوى الشخصي.

موضوعيا يُحسب للكاظمي أنه أول رئيس وزراء منذ عام 2005 وإلى حد الآن ينفرد بهذه الخصوصية، التي رغم جاذبيتها على مستوى الرأي العام تترتب عليها التزامات يومية في مدى قدرة الحاكم على تحقيق إجراءات وقرارات سياسية وأمنية تترجم تلك العناوين البراقة. فشعب العراق الجريح لا يداويه الخيال السياسي إنما ينتظر من الحاكم، حتى وإن أُحيط بحيتان القتل والفساد والطائفية، قرارات ثورية جريئة.

يتجرّأ الكاظمي على إطلاق عبارات وتوصيفات سياسية نقدية للنظام القائم خصوصا في لقاءاته النادرة ببعض الصحافيين العرب، كقوله لصحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية باللغة الإنجليزية بعد خمسة شهور من توليه رئاسة الوزارة إن “هناك خللا في البنية المؤسساتية العراقية منذ عام 2003 التي بنيت على أساس خاطئ وهو الطائفية والعنصرية القومية التي أنتجت محاصصة حزبية أدت إلى ترهل وفساد وعدم انتماء وطني لهذه المؤسسات”. وهو دائما ما يعد الشعب باستعادة الدولة وسيادتها على السلاح المنفلت.

واقعيا الملف الأمني هو الأكثر حساسية إلى جانب ملف الفساد. وتكشف الوقائع عدم قدرة الكاظمي على تنفيذ جريء لمشروعه المُعلن؛ فقد تراجع في أول صدام له مع ميليشيا حزب الله في منطقة الدورة ببغداد أواخر عام 2020 بعد تهديدها باقتحام مكاتبه إثر اعتقال بعض عناصرها، كذلك التهديد الذي أعلنته كتائب العصائب بعد اعتقال أحد قادتها المسؤول عن الهجوم على السفارة الأميركية ببغداد، وسط تحذير من زعيم العصائب للكاظمي من تكرار المداهمات والاعتقال، وأن حكومته مؤقتة مكلفة بمهمتي إجراء الانتخابات المبكرة ومعالجة التحديات الاقتصادية والصحية.

في ملف الفساد شكّل الكاظمي لجنة خاصة برئاسته وسط حملة إعلامية مكثفة حول مداهمة حيتان الفساد وإيداعهم السجون. صدرت قرارات قضائية بإحالة بعض المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين، وراح الكاظمي يشكو في الإعلام من ضغوط يتعرض لها من قادة الأحزاب. انتقيت الأسماء المُتهمة في ما بعد لتعكس لعبة التسقيط السياسي وتكريس الانقسامات الطائفية والحزبية داخل الطائفة الواحدة.

لا يُقارن حجم الكلام الكثير الذي أطلقه الكاظمي حول مشروع التغيير بالوقائع اليومية سياسيا وأمنيا واقتصاديا. ولم تتوقف هجمات الميليشيات ضد المصالح الأميركية في العراق رغم إشارات الهدنة الإيرانية تجاه واشنطن خلال أيام مباحثات النووي في فينا.

الميليشيات المسلحة لم تكترث بخطاب الكاظمي الإعلامي بحصر السلاح، والمثال الأخير ما تتعرض له منطقة الطارمية ضمن حزام بغداد ومدينة ديالى السُنّيتين من استنساخ لما حصل من حرمان أهل مدينة جرف الصخر من حق العودة إلى ديارهم. أكد ذلك قبل أيام المسؤول الأمني لكتائب حزب الله أبوعلي العسكري بقوله “الوضع الأمني في الطارمية والمخيسة في ديالى لن يستقر إلا باستنساخ تجربة جرف الصخر فيها. جميع فصائل الميليشيات تعمل على وضع ساحات الانتخابات المقبلة تحت هيمنتها المسلحة ولا صوت يعلو فوق صوت البندقية”.

على المستوى السياسي يبدو أنه بات من المؤكد نفي المُقرّبين للكاظمي بأنه لن يترشح للانتخابات المقبلة إن حصلت، وهي انتخابات ليست مُبكرة بعد أن أصبحت تفصلها زمنيا أربعة شهور عن انتخابات 2022 العادية، يبدو أنه تلقى نصائح غير مباشرة بعدم الترشيح للانتخابات من الباب العالي بطهران، إلى جانب وعود من مقتدى الصدر باحتمال إعادة ترشيحه لولاية ثانية، وهذا يتوافق مع المنحى الجديد لنشاطات الكاظمي الإعلامية ليبدو أنه صاحب مشروع للإصلاح لما بعد الانتخابات.

لا يطلق الكاظمي خطابا إعلاميا متشنّجا بسبب تحرره من الحزبية الشيعية، لكنه يدافع بقوة عن بقاء واستمرارية هذا النظام السياسي رغم فضائحه وانتهاكاته. وخلال لقائه وجوها من العشائر ببغداد قبل أيام دعا إلى أن تتمكن الانتخابات المقبلة من إعادة الثقة بالنظام السياسي بدلا عن الانسجام والتفاعل مع مشروع التغيير لثوار أكتوبر (تشرين) الذي جاء للسلطة كناتج لحراكهم.

عربيا يبدو الكاظمي مستفيدا من حالة التحولات البطيئة للانفراج في المنطقة العربية نتيجة تراجع الانفراد الأميركي وتعاظم الوجود الروسي ومأزق نظام طهران الذي يحاول بايدن إنقاذه مثلما أنقذه أوباما لكي يجعل من معادلة الموقع الجيوسياسي للعراق دافعا للتعاطي مع جميع أطراف الصراع والنفوذ في المنطقة، لكنّ ذلك لا يعني دورا قياديا مؤثرا في أطراف الصراع مثلما تحاول أجهزة إعلام الحكومة ببغداد الإيحاء به.

لا يخطئ أحد التقدير بأن الكاظمي لا يقود مشروعا للتغيير يستهدف مرتكزات النظام وهويته الطائفية وكيف تحولت السلطة إلى شركة لتقاسم النهب “الملياري” لخيرات العراق، وتحويل مواطنيه إلى جائعين مهانين مازالت قوى الحقد والكراهية تدير مصائرهم، إنه يحاول تحسين صورة النظام السياسي القائم.

أليس من نتائج عهد الكاظمي القصير زمنيا عودة الأحزاب الشيعية مجددا للتمحور الطائفي رغم ما يقال عما يمتلكه بعضها من مسافة عن الهيمنة الإيرانية، وهي ليست حقيقة، بل محاولة لتهدئة داخلية لكل من السنّة والأكراد، وخارجية تتعلق بالسعودية ودول الخليج. مثال ذلك التصريحات الأخيرة لعمار الحكيم على موقع “زووم” التي عززت النزعة الطائفية في العمل السياسي، فهو لا يختلف عن غيره من رفاقه القادة في تكريس حكم الشيعة للعراق رغم ما وصل إليه البلد من كوارث تحت ظله.

من حق الكاظمي أن يضع لنفسه ميزة سياسية كونه غير منتم لحزب إسلامي شيعي ولا يمتلك ميليشيا ولا حزبا يدعمه، إضافة إلى قدرته على توصيف الحالة العامة، لكن مثلما يُعرف فإن تشخيص المرض ممكن أن تؤديه أجهزة طبية متطورة، لكن العلاج الدقيق يبقى بيد الطبيب وهنا تتفاوت مهارات الأطباء في القضاء على المرض.

إمكانيات التوصيف للمشكلة لا تؤهل الكاظمي لأن يصبح زعيما منقذا في قائمة الحكام الذين توفرت أمامهم فرص قيادة الحكم، وأمثلتهم كثيرة في بلدان مزقت شعوبها الحروب التقليدية وحروب الطوائف والأعراق والفساد بدرجات أقل مما يواجهه شعب العراق اليوم، لكن أولئك الحكام اكتشفوا سرّ القوة التي بواسطتها تمكنوا من حسم المعركة ضد خصوم الشعب، هذه القوة هي مزيج ثوري من الإمكانيات الفردية للقائد الحاكم كالشجاعة والنزاهة والذكاء السياسي تتفاعل مع إمكانيات الدعم الشعبي.

فرصة التغيير الحقيقي وظرفها الثوري توفرا أمام الكاظمي منذ مجيئه قبل عام على وقع مطالب ثوار أكتوبر الموسومة بأكثر من 800 شهيد وقرابة الثلاثين ألف جريح ومعوّق، تحت إمرته قوة الجيش وأجهزته الخاصة الممتلكة لتجربة وطنية بعيدة عن محاصصة الأحزاب مثالها جهاز مكافحة الإرهاب ودعم الشعب بعد ثبات عدم ولائه للأحزاب وميليشياتها التي قتلت الشباب والأحزاب الفاسدة. ولو دخل الكاظمي المعركة بعزم الزعماء الوطنيين الأحرار لتحقق نصر التغيير الذي يُجهد نفسه بتوصيفه ولأكتشف العالم مدى جبن وهزالة قوى اللادولة وهزيمتها.

كارثة سياسية ستلحق بالكاظمي أمام جماهير ثورة أكتوبر وشعب العراق إذا صحت دعوته إلى إعادة الثقة بالنظام السياسي، عندها لن تصبح التوصيفات الدقيقة لمشكلات الحكم وسيلة للتغيير الجاد إنما محاولة لتجميل صورته، وهذا ما لا نتمناه للكاظمي أن يقع به.

8