الكاميرا الخفية تستنفر منظمة حقوق الإنسان في الجزائر

تحولت برامج الكاميرا الخفية خلال الموسم الرمضاني الحالي بالجزائر، إلى مصدر قرف وانزعاج حقيقي، بعد الارتدادات التي خلفتها بعض المشاهد المعروضة، من قبل بعض التلفزيونات الخاصة، خصوصا تلك التي أوحت بإهانات شخصية غير مبررة، تعرض لها الروائي الجزائري رشيد بوجدرة، وحرضت على ممارسة العنف ضد المرأة، مما حدا بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى التدخل لحماية الأشخاص، ودعوة الجهات الحكومية المختصة لاتخاذ التدابير اللازمة.
الأربعاء 2017/06/21
"الواعرة" كاميرا خفية بمشاهد عنيفة

الجزائر – دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالجزائر، المستحدث في الأشهر الأخيرة بموجب الدستور الجديد، إلى شجب الخطابات والصور التي تروج لمختلف أشكال العنف والاعتداء على خصوصيات الأشخاص، وهي الخطوة التي تؤكد مدى الانزلاق الذي تعرفه برامج الكاميرا الخفية في بعض التلفزيونات الجزائرية الخاصة.

وتحولت البرامج التي استحدثت لبث روح الدعابة والتسلية في المجتمع بأفكار وسيناريوهات بسيطة ومعبرة، إلى مصدر للاستفزاز والقرف الاجتماعي، بعد أن غلب عليها طابع العنف الجسدي واللفظي والفكري، وحتى الاعتداء على خصوصيات وحريات الأفراد، وكانت الإهانة والعنف اللذان مورسا على بعض النسوة والروائي رشيد بوجدرة، تحولا اجتماعيا لافتا استنفر العشرات من المثقفين والأكاديميين للاحتجاج على برنامج الكاميرا الخفية في تلفزيون “النهار” الخاص.

وشدد مجلس حقوق الإنسان المقرب من السلطة على ضرورة أن تتخذ الجهات الوصية، كوزارة العدل والداخلية والاتصال، الإجراءات اللازمة، للحد من ترويج خطاب وصورة العنف، خاصة تلك المشاهد التي حرضت صراحة على ممارسة العنف على المرأة، في انزلاق غير مسبوق في مسيرة الإنتاج الفني والإعلامي في الجزائر، رغم حداثة التجربة الخاصة في البلاد.

ودعا بيان صادر عن الهيئة الحقوقية الأولى في البلاد، الجهات الوصية إلى اتخاذ التدابير اللازمة للحد من تفشي خطابات وصور العنف، وحض “السلطات القضائية على تطبيق القوانين سارية المفعول، لوضع حد لجميع أشكال التمييز التي تنقلها وسائل الإعلام، بما في ذلك التمييز على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو الإعاقة”.

وأوصى بأن “تتضمن دفاتر الشروط الخاصة بوسائل الإعلام بنودا تحظر جميع أشكال التمييز وفقا لقانون العقوبات”، في خطوة لتلافي تكرار التجربة في المستقبل، وترقية الإنتاج الفني والإعلامي إلى مستويات الرسالة الثقافية والفكرية التي يضطلع بها في مختلف المجتمعات، خاصة في ما يتعلق بمجالات الحريات وحقوق الإنسان.

ودعا البيان سلطة ضبط السمعي البصري، المكلفة بالسهر على تطبيق واحترام أخلاقيات المهنة، إلى “اتخاذ التدابير اللازمة التي يخولها لها القانون من أجل ضمان امتثال كل برامج السمعي البصري، بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة، للقوانين واللوائح السارية المفعول”.

وعبر عن شجبه لما أسماه بـ”الصور والخطابات التي تبث داخل الوطن من خلال برامج بعض القنوات التلفزيونية، والتي تحرض علنا على العنف ضد المرأة وتهونه”.

وشدد على أن هذه البرامج “يفترض أن تكون ذات طابع ترفيهي، خصوصا في شهر رمضان، لا أن تحط من كرامة المرأة وتحرض علنا من خلال الصور والخطاب، البالغين والأطفال، على العنف ضد النساء وتهونه، في حين أن تأثير وسائل الإعلام على النمو النفسي للطفل أكيد”. وأضاف البيان “إن التمييز والتحريض العلني على التمييز الذي يرتكبه أشخاص طبيعيون أو معنويون، يعاقب عليهما وفقا لنصوص صريحة من قانون العقوبات في البلاد”.

وكان مدير مجمع “النهار” الإعلامي الخاص أنيس رحماني قد تقدم باعتذاراته للروائي رشيد بوجدرة، عن الإهانة التي لحقته في برنامج “رانا احكمناك” الذي تبثه قناته خلال شهر رمضان، وقرر وقف بث البرنامج، بعد الضجة التي أخذت أبعادا سياسية، إثر احتجاج العشرات من المثقفين على البرنامج تضامنا مع بوجدرة.

البرامج التي استحدثت لبث روح الدعابة والتسلية في المجتمع تحولت إلى مصدر للاستفزاز والقرف الاجتماعي

وفي المقابل، صرح مسؤول من فريق إنتاج برنامج الكاميرا الخفية الذي تبثه قناة الشروق الخاصة لـ”العرب”، بأن بعض المشاهد العنيفة التي تظهر في برنامج “الواعرة” للمخرج شمس الدين العمراني، هي تحصيل حاصل لردود فعل الضحايا، وهي إحدى وسائل التعبير في المجتمع الجزائري.

وأظهرت العديد من برامج الكاميرا الخفية التي تبث على بعض الفضائيات الخاصة انحدارا فنيا وفكريا في العمل الفني والإعلامي الجزائري، وتحولت إلى مصدر قلق وإزعاج حقيقي للمشاهد الجزائري، خاصة مع مشاهد استعمال السلاح وشبكات التهريب وغرف حفظ الموتى والتحقيقات الأمنية، والتمويه بالبزة الأمنية.

وفي خطوة للنأي بنفسه عن الصراع أكثر مما نأى أسلافه الذين تعاقبوا على مبنى وزارة الاتصال، حمّل وزير الاتصال الجزائري جمال كعوان، في أول رد فعل له على الاحتجاج ضد قناة “النهار” المقربة من السلطة، المسؤولية لهيئة ضبط النشاط السمعي البصري، ودعاها إلى تطبيق التدابير اللازمة.

وقال “يتعين على سلطة ضبط السمعي البصري تحمّل مسؤولياتها ومهامها، لوقف الانحراف المسجل في خطاب وصور برامج الكاميرا الخفية، والحد من الانزلاق المحرض على العنف الجسدي واللفظي والفكري”.

وكانت سلطة ضبط السمعي البصري قد دعت قبل حلول شهر رمضان، القنوات التلفزيونية إلى “التحلي بالقيم الروحية والمرجعية الدينية الوطنية والالتزام بالمبادئ ذات المنفعة العامة في البرامج التي تبثها خلال شهر رمضان المعظم لتفادي التجاوزات التي عادة ما تسجل في هذه الفترة”.

ودعت جميع الشركاء في مجال السمعي البصري إلى “الانخراط بطريقة عفوية، في مسعى تنظيمي أخلاقي وجمالي يمكنهم من الإعداد السليم لشبكات برامجهم خلال شهر رمضان، بشكل يسمح للمشاهد بجعل شهر رمضان فضاء للصحوة الروحية والفكرية يجمع بين الأصالة والحداثة”.

وشددت الهيئة حينها على “عدم الإساءة لكرامة الإنسان، مثلما يحدث في بعض مشاهد الكاميرا الخفية التي تتضمن سلوكات العنف والخشونة والإساءة للذوق العام”، خاصة أنه سبق لبعض المواطنين تقديم شكاوى للسلطة ضد بعض القنوات التي صورتهم دون دراية منهم في صورة استهزائية، بعيدا عن كل روح دعابة أو تسلية.

16