الكاميرا "صندوق أسود شخصي" للتجسس على سلوك الأفراد

الأحد 2013/11/24
كل خطوة تخطوها، كل حركة تقوم بها، سأراقبك

استوحت أشهر المجلات مقطعا من أغنية "كل خطوة تخطوها" لتنبه إلى القلق والفائدة في آن واحد من انتشار الكاميرات بشكل مخيف في العالم.

وقالت مجلة "ايكومنست" إن انتشار الكاميرات في كل الأماكن والفضاءات سواء للمراقبة أو لغيرها تزيد الحاجة إلى المزيد من الضمانات للحفاظ على خصوصية الأفراد.

ويبدو الزمن مختلفا جدا عند استذكار قيام أول مصور هاو عام 1890 بعد اختراع الكاميرا المحمولة من قبل "كوداك" بتصوير اسماك القرش والمستحمين على الشواطئ، مع مليارات الكاميرات التي تتحرك بكل الاتجاهات في الشوارع والمباني اليوم.

والكاميرات اليوم بيد الهواة تكاد تكون مسألة تثير القلق لأنها جعلت من العالم دائرة مغلقة مع شيوع فرص الكترونية لتخزين البيانات والصور وتداولها بين الناس.

وتطور الأمر إلى حد يثير الدهشة مع ابتكار "نظارات غوغل الذكية" التي تكاد تكون كمبيوتر مصغر يرتديها الأشخاص مثل أي نظارة، وتختصر وظائف الهاتف المحمول في التقاط الصور والتصوير الفيديوي وحفظ البيانات وتخزينها وإرسالها عبر الانترنت، فضلا عن خاصية البحث.

والنظارات الرقمية مزودة بتكنولوجيا التعرف الصوتي ما يجنب الحاجة لاستخدام لوحة المفاتيح. وقام بالفعل 10 آلاف شخص باختبار نظارات غوغل مع ارتفاع سعرها الذي يصل إلى 1500 دولار.

ويعتبر البعض تقنية النظارات الذكية استشرافا لآفاق المستقبل من حيث قدرتها على الدمج ما بين العالمين الفيزيائي والرقمي، وإتاحة وصول أسرع وأسهل إلى المعلومات المتاحة على الإنترنت.

ويبدو إنها تصنع مستقبلا يقترن بثورة علمية في مجال الطب الحديث والخدمات الصحية، بعد استخدم جراح أميركي النظارة الذكية للمرة الأولى أثناء عملية جراحية، وذلك عندما قام ببث عملية جراحية على الإنترنت مباشرة لمجموعة من طلابه.

وقام كريستوفر كادينغ الجراح الأميركي في مركز وكسنر الطبي بجامعة ولاية أوهايو، بارتداء نظارة "غوغل" الذكية أثناء إجراء جراحة في الركبة لأحد مرضاه، وقام ببث فيديو مباشراً للجراحة شاهده طلابه على بعد أميال.

ثورة تخيف العالم

الثورة التي تقودها الكاميرا في العالم اليوم تبدأ من مراقبة الطرقات إلى مراقبة المجرمين وحتى سلوك رجال الشرطة أيضا. حيث علقت السلطات الأميركية كاميرات في ملابس رجال الشرطة تسجل تفاعلهم مع الناس وعما إذا كانوا يتصرفون فعلا وفقا للقانون أو وفق أهوائهم.

وتستخدم دول العالم آلآن كاميرات في الطرقات السريعة لمراقبة السيارات منعا للاحتيال الشائع في التأمين، بل وصل الأمر ببعض الأثرياء بتعليق كاميرات مرتبطة بكمبيوتراتهم الشخصية، على أجساد حيواناتهم الأليفة مثل القطط والكلاب لمراقبة تحركاتها.

وربط بعض المصورين الصحفيين الساعين لالتقاط صور مثيرة وغريبة لنجوم الفن والمجتمع، كاميرات على طائرات من دون طيار تحلق فوق منازل أولئك النجوم أو قرب يخوتهم في البحار.

وفي الجانب المفيد من ثورة الكاميرات، ثمة استخدام لعدسات تساعد المرضى المصابين بالدماغ باستعادة ذاكرتهم عبر تخزين الصور وتصفحها لترسيخها في أذهانهم.

وتكمن فائدة جديدة للكاميرات بمراقبة سلوك الشرطة وهم يلاحقون المجرمين، للتأكد من الشكاوى حول قيامهم بإساءة معاملة المحتجزين، كما حدث بقيام جندي بريطاني بتصوير زميل له قام بقتل جريح أفغاني.

هل التقدم التكنولوجي سيلغي سيادة الإنسان على جسده وعقله وشكله؟ سيكون مثل هذا التقدم غير مرحب به لغالبية الناس عندما تصدم بمفهوم الحرية الجديدة. الحرية يجب أن تضمن بعض الحق في الخصوصية، فإذا كانت خطوة يقوم بها الإنسان تسجلها العدسات، هذا يعني أن حريته ضاقت

أصبحت الكاميرات "الصندوق الأسود الشخصي" لكشف تحركات وأفعال الإنسان والتجسس عليه لاحقا، ليمارس هذا الصندوق الدور نفسه في الطائرات بعد سقوطها!

ولن يكتفي المطورون بكل ذلك، بل انهم يسعون إلى تطوير كاميرات صغيرة تستطيع التعرف على الوجوه، وتقوم بدور أصحابها في البحث وإرسال الرسائل الالكترونية.

وستدخل الكاميرا كشاهد على المشاعر في لحظات جميلة ومريرة، عندما تقوم الذاكرة الرقمية بخزن صور الألم أو السعادة في أحداث مرت على البشر لاستعادتها في وقت لاحق في نوع من مراجعة الذات والتعلم من التجارب.

وصار بإمكان آلة التصوير "نيوروكم" الموضوعة فوق الرأس تلقى الأوامر مباشرة من الدماغ وتبدأ على الفور رحلة التصوير.

الكاميرا الذكية التي ابتكرتها شركة يابانية قادرة على التواصل مع عقل الإنسان لتتلقى الأوامر مباشرة منه، وتقوم بتصوير المشاهد التي يلتفت لها الشخص فوراً، دون أن تنتظر صاحبها بتشغيلها والضغط على أزرارها.

ولا تتطلب الكاميرا الجديدة أية تدخلات من المستخدم، حيث لا تحتاج إلى أية حركة أو كلمة منه لتبدأ في التصوير.

وتتبع كاميرا "نيوروكم" الجديدة الموجات القادمة من الدماغ، حيث تستطيع أن تعرف فوراً المشاهد التي يلتفت لها الإنسان، ومن ثم تبدأ التصوير فوراً، على أن صاحب الكاميرا يتوجب عليه أن يقوم بتعليقها فوق رأسه، حتى تتمكن من قراءة العقل أولاً، ولتكون عدستها أيضاً موجهة بنفس اتجاه العينيين، فتقوم بتصوير ما يراه الإنسان ويسترعي اهتمامه.

ويوجد في الكاميرا شرائح استشعار تقوم باستكشاف درجة اهتمام صاحبها بما يراه، حيث تمت برمجة الاهتمام أو الحماسة لتكون موزعة على درجات من 1 إلى 100، حيث إنها تبدأ بالتصوير بمجرد ما يبلغ الاهتمام أو "الاندهاش درجة الـ60 أو أعلى"، أما ما دون الـ60 فتعتبر الكاميرا أنه مشاهد عادية وطبيعية ولا تستحق التصوير الأوتوماتيكي.

مع كل ذلك يشكك الكثير بالفائدة المرجوة من انتشار الكاميرات مستقبلا، بل إنهم يربطونها بالمراقبة المذلة، عندما تربط في المعصم أو الجيب لتصور حتى نوم الأشخاص وأنماط نوم الأزواج، فهي –أي الكاميرات- تقوم بذلك بفعالية.

ويكمن القلق المتصاعد اليوم عند أولئك الذين يقفون أمام الكاميرات، وليس وراءها، غالبية المدارس تحذر من تصوير التلاميذ بالهواتف النقالة واستغلال الصور على الانترنت، ثم خوف النساء من تصويرهن خلسة في الأماكن العامة، فالوقت ليس ببعيد في ارتداء الكاميرات أسوة بالخواتم أو النظارات والتقاط الصور خلسة في الطرقات من دون أن يشعر "الضحايا" بذلك!

الكاميرات تعرف من أنت

وثمة قضية تلوح في الأفق مع التطور المتصاعد للتكنولوجيا في التعرف على الوجوه وقيام الأفراد والحكومات بانتزاع المعلومات، عندما تزرع الكاميرات في كل مكان، الحانات، المقاهي، الشوارع، المكاتب، وتلتقط مليارات الصور ويصبح أمر تخزينها ونشرها مثار قلق دائم.

ونحن قد لا نكون بعيدين عن الوقت الذي يمكن فيه تعقب تحركات الأشخاص طوال الوقت، وليس غريبا أن يكون التعرف على أي شخص يسير في الشارع، من هو بالضبط ومن أين أتى، وماذا كانت سوابقه!

فهل التقدم التكنولوجي سيلغي سيادة الإنسان على جسده وعقله وشكله؟ سيكون مثل هذا التقدم غير مرحب به لغالبية الناس عندما تصدم بمفهوم الحرية الجديدة.

الحرية يجب أن تضمن بعض الحق في الخصوصية، فإذا كانت كل خطوة يقوم بها الإنسان تسجلها العدسات، هذا يعني إن حريته ضاقت.

سيكون حظر الكاميرات أمرا مضرا، من دون شك، لأنها ستحرم المجتمع من فوائدها، لكن على المجتمع نفسه أن يضع القواعد حول أين وكيف ومتى تستخدم هذه التقنيات لمواجهة "الاشرار" وليس للتجسس على الناس.

ينبغي مثلا منح الحكومات الحق في استخدام تكنولوجيا للتعرف على الوجوه فقط عندما يكون هناك مصلحة عامة واضحة، كتحديد اللصوص ومرتكبي الجرائم.

يقول غوس هوسين المدير التنفيذي لمؤسسة الخصوصية الدولية "منذ العام 2008 والناس تتحرك برفقة الهواتف الذكية، هناك الكثير من المعلومات تتاح للتجسس والرقابة".

مثل هذا الأمر المتعلق بالحرية، منع شركة غوغل تضمين نظاراتها الرقمية قدرة التعرف على الوجوه، كي لا يتم انتهاك خصوصية الآخرين.

لكن الخطر الاجتماعي مازال قائما بتصنيع كاميرات غاية في الصغر يمكن استخدامها في انتهاك الحريات الشخصية، ويبقى الحق قائما لدى الإنسان في رفض الكشف عن هويته وبياناته الشخصية لمن يسأله في الشارع، ويرفض التعرض له، كما إن الدعوة قائمة لمواقع التواصل الاجتماعي لإنشاء تطبيقات عالية للخصوصية، ويمكن تقليصها بناء على طلب المستخدم، وينبغي أيضا تنظيم عمل الكاميرات وتقنيات التعرف على الوجوه في فيسبوك وغوغل، ومنع أن يكون القرار بيد غير المستخدم للتعرف على شخصيته عبر الصور.

التجسس على الرياضيين

روسيا التي تستعد للاولمبياد الشتوية، أظهرت وثائق مشترياتها الجديدة مع شركات الاتصالات، معدات للتجسس تعطي أجهزة الأمن الداخلية القدرة على اعتراض أي حركة للاتصال آو تراسل البيانات والصور، واستخدام بعض العبارات في البريد الالكتروني والحوار على شبكات التواصل الاجتماعي.

حيث حذرت نشرة للأمن الدبلوماسي الأميركي من قدرات "سورم" في تعقب اتصالات الوفود الزائرة لاولمبياد الألعاب الشتوية.

تجسس في كل مكان
تجسس في كل مكان

وتحتوي الوثيقة على مشورة ونصح بضرورة التنقل بجهاز الموبايل دون بطارية، لوقف التنصت.

لكن اليكسي لافريشكيف، احد المسؤولين عن الرقابة قال خلال مؤتمر صحافي "في اولمبياد لندن السابق كانت الرقابة موجودة في كل مكان والكاميرات غطت الأرجاء حتى دورات المياه الصحية.. نحن في روسيا لا نتخذ مثل هذه التدابير".

ويرى رون دين الأستاذ في جامعة تورنتو ان التعديلات على برنامج سورم الروسي، تشبه إضافة المنشطات إلى برنامج بريزم الذي كشف عنه ادوارد سنودن.

وأضاف "أن حجم وشكل الرقابة متشابه في النظام الروسي والأميركي مع اختلافات في التفاصيل الدقيقة... بعض الشبكات الأميركية كانت ضعيفة الاستجابة، لكن في النظام الروسي فانه شرط أساسي للبنية التحتية لشبكات الاتصالات".

مناهج "وادي السليكون" وهو يخرّج العلماء من جامعاته تكون غالبا على حق في تحرير التكنولوجيا من القيود، لكن الحرية المعطاة يمكن أن تتخذ في بعض الأحيان بعيدا الحرية.

وهذا ما توصل إليه جاريد كوهين مدير التخطيط في شركة غوغل وأريك شميدت المدير التنفيذي، عبر كتابهما المشترك "العصر الرقمي الجديد: إعادة تشكيل مستقبل الناس والأمم والأعمال"،

بإن ثورة المعلومات ستجرد الناس من سيطرتهم على معلوماتهم الشخصية في الفضاء الافتراضي، والتي سيكون لها عواقب كبيرة في العالم المادي.

وهو أمر يفسر لنا كيف إن التكنولوجيا محايدة، والإنسان هو من يستخدمها لأغراض جيدة أو سيئة، يمكن أن تكون لها عواقب مؤذية.

الأجراس تدق اليوم خوفا من إن يكون كل ما يفعله الإنسان وأينما يتحرك موضع مراقبة، لتذهب الخصوصية في رمشة عين.

18