الكاميرا في سينما المناجم تتفوق على الجرافات

مشاركة أفلام محلية وعالمية تتوزع بين التسجيلي والوثائقي والروائي، والتظاهرة السينمائية تهدف إسماع صوت المنطقة إلى جهات الإشراف وأصحاب القرار.
الاثنين 2019/07/15
طريق محفوفة بالمخاطر (لقطة من الفيلم التونسي "يعنبو الفسفاط")

إقامة مهرجان لسينما المناجم في الجريصة، المدينة التونسية الخلابة والباهتة، دائمة الشحوب والسعال مثل بطلة رواية “زهرة الكاميليا”، ويغطي ماءها وهواءها وشجرها الغبار، ليس ترفا ثقافيا في بلدة سرق جوفها الاستعمار وأهملتها دولة الاستقلال، بل حاجة يمليها الإحساس بالقهر والمرارة، وطريقة للفت الانتباه والصراخ من خلال الصورة السينمائية.

تونس – تحتضن مدينة الجريصة، التابعة لمحافظة الكاف بالشمال الغربي التونسي، الدورة الثالثة لمهرجان سينما المناجم أيام 13 و14 و15 سبتمبر القادم، بمشاركة أفلام محلية وعالمية، تتوزع بين التسجيلي والوثائقي والروائي.

وثمة جهات محلية وعربية ودولية ثبتت مشاركتها وأبدت حماسها وفرط اهتمامها لهذه التظاهرة الاستثنائية المميزة، رغم علمها المسبق بتواضع شروط العرض وقلة الإمكانيات في هذه المدينة الفقيرة التي تعرف تونسيا بعاصمة المناجم.

المهرجان فتي وطموح، أعلن عن خصوصيته منذ انطلاق دورته التأسيسية عام 2017 بمبادرة من أبناء المنطقة التي تضم واحدا من أقدم مناجم الحديد في القارة الأفريقية (تأسس عام 1907)، بنا حوله الاستعمار الفرنسي آنذاك بلدة نموذجية سرعان ما عرفت بـ”باريس الصغرى” واستقطبت جاليات فرنسية وإيطالية، وأخرى مغاربية، بالإضافة إلى العائلات التونسية التي جمعها طلب لقمة العيش من مختلف مناطق البلاد فتقاربت وتصاهرت وانصهرت في هذه البلدة مختلف الفئات الاجتماعية، مما أنتج ثقافة طبعت الأجيال المتعاقبة بروح التسامح والتميز الإبداعي بسبب ما حظيت به المدينة ـدون غيرهاـ من مرافق، كقاعة العرض السينمائي الوحيدة التي نقلت للناس عدوى حب السينما، بالإضافة إلى فضاءات لنشاطات رياضية وثقافية، شكلت وعيا مبكرا لدى أبناء المنطقة رغم الواقع المعيشي البائس.

القائمون على المهرجان هدفهم تكريم صانعي الحياة من تحت الحياة وإزاحة غبار التهميش عن مدينة التراب الأسود
 

ومولدي خليفي، ابن عائلة منجمية كادحة في مدينة الجريصة، وواحد من الأجيال التي أصابتها لوثة السينما في هذه البلدة الاستثنائية فأقدم على إنتاج فيلم روائي قصير حمل عنوان “غربال الحمري” (أي غربال غبار الحديد) بإمكانياته الذاتية شبه المعدومة ثم تلقى مساعدة من أحد أبناء المنطقة المتحمسين، ومساهمة رمزية من وزارة الثقافة.

وخليفي، أيضا، مؤسس المهرجان ومدير دورته السابقة، والذي يسعى هو وآخرين من أبناء الجهة إلى أن يكون المهرجان بمثابة إعادة الاعتبار للثقافة المنجمية، في نوع من التكريم وإعادة الاعتبار إلى أجيال سفحت أعمارها في “الداموس” (نفق إخراج عربات الحديد من باطن الجبل)، فمنهم من قضى نحبه تحت الركام والانهيارات الترابية في الليالي الممطرة، ومنهم من نجا من ذلك، ومن هم من تعطلت رئتاه بفعل غبار الحديد فمات في سن مبكرة تحت السعال المزمن حالما بجرعة هواء نقي لم يدركه، ولم يتمتع به حتى أطفاله من بعده.

وفي هذا الصدد يقول خليفي، “إن إحدى أهم غاياتنا من إقامة هذه التظاهرة السينمائية التي لا تركن للتقليدي والمكرر والمستهلك، هو إسماع صوت المنطقة إلى جهات الإشراف وأصحاب القرار بقصد لفت النظر إلى حالنا واقتلاع نصيبنا في التنمية التي حرمنا منها مقارنة ببقية الجهات”.

ويستطرد خليفي قائلا “كل ما نرجوه من وزارة الثقافة والجهات المعنية، هو حقنا في الدعم أسوة بالمهرجانات الأخرى التي ترصد لها مبالغ ضخمة رغم ما تقدمه من ضحالة باسم الفن والثقافة”.

الجريصة، تعرف قي تونس بـ”عروس المناجم” أو “المدينة العجوز” وهما تسميتان تحملان تناقضا ظاهريا من حيث الجمع بين العروس والعجوز، لكن هذا يبدو مستأنسا، وعلى أتم التطابق والانسجام لمن يعرف هذه المدينة التي تجمع بين جمال أخّاذ من حيث دقة ورونق التصميم المعماري للقرية ذات الأسطح القرميدية، وجميع المرافق والأمكنة الترفيهية التي تركها الاستعمار مثل ديكور فيلم في أرض نائية.

هذه الصورة أصبحت باهتة وتغادرها الحياة ببطء بعد أن استوطنها الفقر والتهميش، فكأنما قاعة السينما الوحيدة المغلقة مند سنوات بذريعة الترميم، هي في حد ذاتها رواية سينمائية موازية تحكي آلة عرضها المتوقفة “سنوات العز” المسفوحة رغم كل ما يكتنفها من وجع.

يحفر بالصورة ما لم تحفره الجرافات
يحفر بالصورة ما لم تحفره الجرافات

مهرجان سينما المناجم في الجريصة، ورغم حالة الفقر والعوز والضنك التي يمر بها، تجاوبت وتفاعلت معه دول كثيرة في الشرق والغرب حين أعلن عن إطلاق دورته الأولى، وأبدت استعدادها للمشاركة نظرا لطزاجة الفكرة وما تحمله من حس ابتكاري يتمحور حول أدب المناجم منذ الفرنسي إيميل زولا في رائعته “جيرمينال” وانعكاساتها في الرواية العربية كـ”الدقلة في عراجينها” للراحل التونسي البشير خريف، و”أمغيون” للمغربي محمد العرجوني.

لكن تناول الحياة المنجمية في السينما هو حقل غزير الدلالة ومتشعب المرامي والاتجاهات على مستوى الطروحات البصرية والفكرية، ذلك أن فضاءات التصوير من كتل ضوئية وجداريات قاتمة وتشكيلات جسدية، وحكايات تروى وتوارى الثرى تحت الأرض، هي مفردات أكثر “إغراء” لكاميرا السينمائي من تلك التي تصوّر في المساحات الاعتيادية المتوقعة. إضافة إلى ذلك كله، فإن مدينة الجريصة تضم الآن متحفا منجميا استثنائيا يتمثل في الكنيسة الصغيرة التي تحولت إلى ذاكرة عمالية تمتد لأكثر من مئة عام.

مهرجان سينما المناجم في الجريصة، يكرم “إخوة التراب الأسود” ويحفر بالصورة ما لم تحفره الجرافات المعدنية لتطال أنفاقا ما زالت بكرا ومستعصية على الكاميرا العربية.

حمى المهرجانات التي تتذرع بالثقافة وتدعي الدفاع عن خصوصياتها المناطقية في تونس، كثيرة ولا يهدف أغلبها إلاّ لجمع المال.. هذه مسألة بات يعرفها القاصي والداني في هذا البلد المتخم بمهرجاناته التي تؤسسها جمعيات محلية بعضها متنفّذ وقادر على افتكاك الميزانيات رغم ضعف محتواه الفني، وبعضها يمتلك النوايا والأفكار والطموح، ولا يجد من يدعمه أو يصغي إليه مثل مهرجان سينما المناجم في الجريصة، ذات الخصوصية الثقافية المميزة (كم هائل من مثقفي تونس هم من هذه المنطقة).

ومهرجان سينما المناجم، ليس مجرد ترف ثقافي تقف خلفه مصالح فئوية، بل مشروع مكتمل الأركان من حيث الرهان على خصوصية مناطقية واجتماعية من شأنها أن تصنع الاستثناء الثقافي.

17