الكتابات السردية الجزائرية تتحرر نهائيا من الاستعمار

ملتقى في الجزائر يهدف إلى التعريف بحدود خطاب ما بعد الكولونيالية واستكشاف علاقته ودوره في أشكال وأهداف المقاومة والتحرُّر من الهيمنة الاستعمارية.
الثلاثاء 2021/05/18
الاستعمار شوّه ثقافة الجزائريين (لوحة للفنان عادل بن تونسي)

الجزائر- تنظم جامعة زيان عاشور بمحافظة الجلفة جنوب الجزائر يومي 26 و27 مايو الجاري عبر تقنية الفيديو الملتقى الوطني الأول حول السرد وخطاب ما بعد الكولونيالية تحت عنوان “من خطاب المركزية إلى خطاب التعدُّدية الثقافية”.

ويناقش المشاركون في هذه التظاهرة عددا من المحاور المتعلقة بنصوص السرد الجزائري والعربي، من بينها: السرد وإشكالية الهوية؛ ثنائية الأنا والآخر، والسرد والتعدُّدية الثقافية واللُّغوية، والنسوية والإشكالية السوسيوثقافية بين الماضي والحاضر، والسرد والتاريخ: مرجعية الماضي ومشكلات الحاضر، والسرد والفلسفة: الرؤيا والتخييل، والسرد والسينما: أشكال المقاومة عبر الصورة.

الرواية استطاعت أن تعيد الذات الجزائرية المهمشة في وجودها عبر تشكيل هويتها وثقافتها واستنطاق تاريخها

وبحسب المنظّمين، يهدف الملتقى إلى التعريف بحدود خطاب ما بعد الكولونيالية، وإبراز القضايا التي تناولها السرد ما بعد الكولونيالي، واستكشاف علاقته ودوره في أشكال وأهداف المقاومة والتحرُّر من الهيمنة الاستعمارية، وبناء شبكة تعريفية بالنصوص والكتّاب العرب ضمن حقل السرد ما بعد الكولونيالي.

ويرى المنظّمون في التعريف بالملتقى أنّ السرد أصبح الشكل الأبرز لتمظهرات الخطاب الإبداعي والثقافي في عالمنا المعاصر؛ إذ انعكست في متنه المتحوّل مجموعة من القضايا الحيوية التي لها صلة بحياتنا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا: الهوية، والذات، والنسوية، والهيمنة، والتعدُّدية الثقافية، وصراع الحضارات، والعلاقة بالتاريخ، والعلاقة مع الآخر.

وانفلتت تلك القضايا من الرؤية المركزية التي كرّستها الحداثة الغربية إلى آفاق منفتحة ترفدها أشكال المقاومة الثقافية والسياسية التي احتضنها خطاب ما بعد الكولونيالية.

ووفقا للمنظمين، يتأسس هذا الحقل على نقد خطاب المركزية الغربية وما انبثق عنه من أبعاد الهيمنة الكولونيالية التي فرضت أنماطا جاهزة من الرؤيا والفكر، استهدفت احتواء الخصوصيات الثقافية ومنابع التحرُّر في الثقافات الإنسانية على تنوُّعها واتّساعها واختلافها، فهو حقل “يلتقي ويتفاعل في أسسه ومهامه الكبرى بحقول متعدّدة، مثل التاريخ والفلسفة والأنثروبولوجيا واللسانيات وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم اجتماع الأديان والسيميائيات الثقافية”، إذ تشكل تلك الحقول منابع التفكير التعدُّدي النقدي الذي يواجه الهيمنة، خاصة في الأوساط الثقافية والحضارية التي عانت من السيطرة الاستعمارية، وتعرّضت هوياتها لمحاولات ممنهجة للتفتيت والتشويه والإخضاع.

الطاهر رواينية يرى أن موضوع الاستلاب الحضاري لم يتبلور في الرواية العربية، ولم يَنم بالكيفية نفسها في الرواية المكتوبة بالفرنسية

ويطلق مصطلح السرد ما بعد الكولونيالي بشكل خاص في الجزائر على تلك الأعمال الروائية التي أنجزت في الفترة ما بعد الكولونيالية أي في مرحلة الاستقلال، وأغلبها متأثر بالثقافة الاستعمارية في أساليب الكتابة واستعمال اللغة الفرنسية التي اعتبرها الروائيون الجزائريون “غنيمة حرب”، بيد أنها تحمل خطابا مناقضا للاستعمار، ويرد على ادعاءات المركزية الكولونيالية التي تدعي تفوق الجنس الأوروبي في العلم والحضارة والصناعة.

وتدحض هذه الروايات الرسائل الأوروبية “الحضارية والتنويرية” في مستعمراتها السابقة، لتبيض تاريخها الحافل بالجرائم في حق الإنسان والأرض.

وقد استثمر الروائيون الجزائريون أقلامهم في السرد المضاد أو ما يدعى بالرد بالكتابة لتقويض المركز الكولونيالي المهيمن وتفكيك مقولاته ونقضها، فاستطاعت الرواية أن تعيد الذات الجزائرية المهمشة وجودها، فعملت على تشكيل هويتها وثقافتها، وأعطت لها اسما عربيا أو أمازيغيا، وأسندت لها أدوار البطولة، كما دافعت عن الثقافة الجزائرية التي كان المستعمر يحتقرها، وأعادت كتابة التاريخ الجزائري المغيب بصيغة العربي وعين المستعمَر (بفتح الميم)، والذي يكشف معاناة الجزائريين وجرائم الاستعمار الفرنسي.

وتحظى الرواية بمرونة كبيرة في تشكيل خطابها المضاد، حيث أن العلاقة بين السرد التاريخي والسرد التخيلي تعطي للرواية إمكانية كبيرة للدخول في عمق التاريخ من دون أن تفرض صيرورة الأحداث نفسها على الكاتب، الذي يتعامل مع النص بمعزل عن واقعية الأحداث وبالتالي يواجه الاستلاب بنجاح لا نجده بنفس الفاعلية في الفنون الأخرى.

وكما يرى الناقد الجزائري الطاهر رواينية فإن موضوع الاستلاب الحضاري لم يتبلور في الرواية العربية، ولم يَنم بالكيفية نفسها في الرواية المكتوبة بالفرنسية، فيما كان كتّاب المقاومة المكتوبة بالعربية يركزون على حضور الذات الوطنية وعلى وقوفها خصما عنيدا في مواجهة الاستعمار، بينما تطورت الرواية المكتوبة بالعربية لاحقا.

ولم تخل الروايات المكتوبة بالفرنسية من الذين مجّدوا الاستعمار، واستشهد بمقولة لبوجدرة في أحد مقاطع أعماله (المستعمر الطيب) رغم أن الاستعمار كان استعمارا دمويا. كما اعتبر أن الذين مجدوا المستعمر حاولوا تبييض الجريمة الاستعمارية الكبرى، وانهزام الجيش الفرنسي أمام جيش جبهة التحرير الوطني. ورأى أن هؤلاء قد بالغوا في التخيل التاريخي إلى حد مناقضتهم المرجع التاريخي.

وفي السنوات الأخيرة فإن إقبال العديد من الأدباء على الكتابة أدّى إلى وفرة معتبرَة في الإنتاج الروائي الجزائري، خاصة في العقدين الأخيرين.

السرد أصبح الشكل الأبرز لتمظهرات الخطاب الإبداعي والثقافي في عالمنا المعاصر؛ إذ انعكست في متنه المتحوّل مجموعة من القضايا الحيوية

هذا الجيل من الكتّاب يمثّل شاهدا على مجرى الأحداث والوقائع التاريخية التي تنسج حبكة القصة المحكية. النصوص التي وُسمت بعبارة “الكتابات الاستعجالية” تركت مكانها لفترة “ما بعد الاستعجال”، قبل أن تشهد سنوات بداية الألفية الثالثة ظهور نصوص روائية تتكيّف مع الحدث ومع وقائع المرجعية التاريخية.

ويسعى الروائيّون الجزائريون في هذه المرحلة إلى توسيع في الأشكال الأجناسية، وفي أساليب الكتابة التي تخضع للسياق السوسيو – تاريخي، الذي يُحدّد ميلادها ومعناها، وإلى التحرر نهائيا من الإرث الاستعماري.

15