الكتابة اشتغال وتجربة لمن يتقبل مغامرة الخطأ والاكتشاف

الخميس 2014/09/04
الكتابة مسألة كيمياء بين ما نحن عليه من مكتسبات، وبين الصفحات البيضاء

من النشر إلى الترجمة مرورا عبر تنشيط ورشات الكتابة، تخصص الكاتبة والناقدة صوفي أدريانسون ركنا في موقع مجلة “صوفيليت”، يهتمّ بكل المهن التي تصاحب المخطوط. عبر ذلك الركن، و من بين تلك المهن، نسلط الضوء هنا على مهمة تنشيط ورشات الكتابة من خلال تجربة الكاتبة فريديريك تريغودي.

مجرد شيء بسيط يكفي بعض الأحيان للدفع إلى الكتابة. صورة، موضوع، مهلة.. وأمّا ورشة التمرين على الكتابة، فهي محفز للخيال. فريديريك تريغودي (Frédérique Trigodet)، وبعد تسييرها لمجلة بنفس الاسم، تقوم الآن بتنشيط ورشات للكتابة، أطلقت عليها اسم “بروز إكريتور”، وهو يعني، طريقة الكتابة باللغة الفرنسية بعد فك الإدغام؛ نثر، جرأة، كتابة.


ورشة الكتابة


انطلاقا من تجربتها في تنشيط ورشات الكتابة، تصرح فريديريك تريغودي أنه، على ما يبدو، هناك سوء فهم يطغى شيئا ما في السنين الأخيرة، حول مفهوم الكاتب والكتابة. فهناك من حضروا ورشاتها بهدف أن يصبحوا كتابا، وهناك من أتوا معلنين أنهم كتاب، وهم يحملون معهم كتلا من الورق، يسرد كل منهم فيها قصة حياتهم، ويسألونها عن رأيها إن كان ذلك يصلح للنشر.

المشكلة أن رغبتهم في أن يصبحوا كتابا، كانت في أغلب الأحيان بعيدة عن واقع الكتابة، لأنه بكل بساطة، لا توجد قواعد محددة يتوجب الالتزام بها، أو يمكن تعلمها على رؤوس الأصابع.

هناك سوء تفاهم يطغى شيئا ما في السنين الأخيرة، على مفهوم الكاتب والكتابة

تقول تريغودي إنها لا تؤمن بأسطورة آلهة الفن، وتفسر أن الكتابة بالأحرى، هي مسألة كيمياء بين ما نحن عليه؛ قراءاتنا، لقاءاتنا، علاقاتنا، وبين الصفحات البيضاء التي نزركشها بالأسود. الكتابة هي اشتغال، هي أيضا أن نتقبل الوقوع في الخطأ، أن نبدأ من جديد، أن نعيد الكرة ونجرب شيئا آخر. سعة الكتابة وثراؤها يأتيان من رغبتنا في سرد الحكايات، ومن المجهود الذي نبذله لفعل ذلك بشكل أفضل.

ورشة الكتابة ليست أبدا مكانا نتعلم فيه الكتابة بالمفهوم المدرسي للكلمة، فالمشارك لن يغادر الحصة ومعه «كتيب التلميذ المثالي لتعلم الكتابة»، بالمقابل، سواء كان المشاركون أدباء نشرت مؤلفاتهم، أو كانوا كتابا هاوين، مبتدئين خجولين أو موهوبين محنكين، فالكتابة انطلاقا من الاقتراحات المطروحة، تمنح إمكانية فعل ذلك بشكل مختلف، واستشراف طرق أخرى ثمّ الذهاب في اتجاهات مغايرة، كي نعود إلى الأهم.

تعلن تريغودي أن ورشاتها مفتوحة في وجه كل من لديه رغبة في الكتابة، سواء أكان ذلك في إطار شخصي، عائلي، أو مشروع للكتابة. الجو الحميمي المضياف ضروري جدا. حيث يتم تقديم هذا العنصر في أغلب الورشات، لكن بالنسبة إليها، يُعد ذلك عنصرا أساسيا، لأنه يمكنها من تلطيف حدة العلاقة الدراسية للكتابة، وتقول في هذا الصدد: “يأتي الناس إلى ورشاتي للكتابة، ولكن أيضا لمشاطرة كلمات، حكايات ولحظات مع الآخرين”.

من بين أنواع تلك الورشات هناك التي تطلق عليها اسم “إكسبريسو” (ساعة و نصف بالمقهى)، تقترح خلالها في البداية نشاطا ترفيهيا يعمل على «تكسير الجليد» ويحس كل مشارك بالمتعة، وهو يستسلم بعدها بشكل تلقائي للكتابة. فتحثهم على أن يوجهوا تفكيرهم إلى عالم الخيال، ليتخلصوا من حكاياتهم الشخصية ويذهبوا إلى شيء آخر.

تدأب تريغودي باستمرار على تنظيم ورشات موضوعاتية، لتدفعهم إلى أقصى حدود استكشافات الكتابة. تضيف في هذا الصدد، أن العديد من المشاركين لم يكونوا يفكرون في تأليف قصة أو كتابة رواية قصيرة، لكن جزءا مهما منهم يبلع الطعم بتلك الطريقة، فينطلق في مشروع رواية، أو للمشاركة في مباريات، بل وحتى تأليف سيناريوهات أو حوارات ساخرة.

تستدعي الكتابة التفكير لدى القارئ، الانفصال عن الذات و اللجوء إلى عالم الخيال

لقد تمرست تريغودي في كتابة الروايات لسنوات عديدة، وصبت اهتمامها على مختلف أنواعها: السوداء، البوليسية، الكوميدية، العاطفية.. لذا فهي تقترح خلال ورشاتها قبل كل شيء، التمرن على هذا النهج.

وتحب أيضا أن تقترح على المتمرنين بعض الطرق المختصرة: مذكرات سفر يومية، إعادة كتابة وصياغة بعض النصوص، شعر ونثر، أشكال قصيرة. كما تدعو من يرغب من المشاركين، باستمرار إلى الكتابة حول مواضيع لمباريات في الرواية، مع تقديم نصائح من خلال تجربتها في النشر والكتابة.


فسحة الكاتب


تحب الكاتبة التعريف ببعض المجلات والناشرين، وتستضيف أحيانا أدباء للحديث عن تجاربهم. في الواقع، هي تنطلق من الخلاصات والقناعات التي توصلت إليها، فالمسار الذي سلكته في البداية كان «كلاسيكيا»، و بعد مباريات الرواية، توجهت نحو المجلات، قبل أن تخوض تجربة النشر.

تقول: “هكذا تعلمت أنه إذا كان التأليف يأتي من الرغبة في الكتابة والحكي، فهذا يستوجب بالضرورة التفكير لدى القارئ، الانفصال عن الذات واللجوء إلى عالم الخيال. فهمت أيضا بعد عدة سنوات، أنه إذا كان الاشتغال بتنشيط الورشات يخوّل لها العمل في المجال الذي تحبه، فإنه يمنحها بالمقابل تلك الفسحة الضرورية لكل كاتب، للابتعاد عن كتابته، حتى تختمر بشكل جيد.

14