الكتابة الأدبية العربية.. سجال حرية الفكر ومقتضيات الرقابة

الثلاثاء 2017/02/14
بين حرية الإبداع وعين الرقابة

الحكم الصادر في فبراير 2016، والذي قضت محكمة النقض المصرية في شهر ديسمبر الماضي ببطلانه، ضد الروائي المصري أحمد ناجي بالسجن لمدة عامين على خلفية إدانته بتهمة “خدش الحياء” في روايته “استخدام الحياة”، كان فصلا جديدا من معركة الأدب والرقابة.

الكتابة العربية الجريئة، عانت دائما من مؤسسات الدين والأخلاق والسياسة، وتبعا لذلك من المحاكمات بشتى صنوفها وأشكالها.

الجرأة في الكتابة الأدبية والفكرية تتوسل طرق أبواب يُحرصُ على أن تكون مُحكمة الإيصاد، هي دين أو جنس أو سياسة، وفق ثالوث محرم تنبه له الكاتب بوعلي ياسين منذ العام 1973. لكن تحريم الجموح الأدبي والفكري، سبق زمن تنبه بوعلي ياسين للثالوث، ولم يتوقف بعده.

جدير بالذكر أن الكتابة العربية عانت دائما، من مركزية المعايير الدينية وتفانيها في إنتاج وقائع رقابية تحرص على تفحص كل نفس فكري أو أدبي يحاول أن يلج مناطق محظورة. لكن القراءات المعاصرة أرّخت بدء زمن “التحريم المعاصر” مع رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ التي صدرت في شكل نصوص متسلسلة في جريدة الأهرام، ثم صدرت في كتاب عام 1962، وتأخر نشرها في مصر حتى صدرت عام 2006، لأنها أثارت حفيظة الأوساط المتديّنة المحافظة. ومنذ أولاد حارتنا واصلت الأدوات الرقابية العربية الإسلامية إنتاج معاييرها وجددت معداتها لتراقب كل عمل فكري يخرج عن المألوف أو السائد الأخلاقي أو الاجتماعي، وإن تقصد نقده أو إبراز هناته، وتمت حياكة نسيج من العلاقات الدينية والأخلاقية والقانونية والعرفية، يعسر تجاوزها أو هتك حجبها.

علاقات متواطئة تقرأ السطور وما بين السطور، بحثا عن نوايا “خدش حياء” أو “مس من الذات الإلهية” أو تجاوزا لما تم التعارف عليه من أخلاقيات، هنا نشأت قائمة طويلة من ضحايا هذا الجهد الرقابي، سجل كامل من الكتب والروايات التي وقعت في شرك الرقابة التي تضمر القراءة بحثا عن إدانة، أي أن الاتهام يسبق التقييم، والإضمار حاضر يشحذ سكاكينه، وإن كان معنى القول مخاتلا أو تعمّد التورية والخيال. وتتنوع مواضيع الكتب التي وقعت تحت طائلة الرقابة، من الأدبي الصرف، إلى الفكري المتقصد تثوير علاقتنا بالتراث والدين، إلى السياسي الناقد للأنظمة أو الحكومات، بل إن سهام النقد طالت الأغنية والمسرح والسينما والكاريكاتير.

الروايات التي تستحضر الجسد أو الجنس أو المرأة، هي أكثر المواضيع المتعرضة لقصف الرقابة، لا بمعنى المنع من الصدور فقط، بل بمعنى تأثيم الكاتب وحرق كتبه ومحاكمته وسجنه أو حتى اعتباره مرتدا، ويزداد العقل الرقابي اشتغالا وتوقّدا حين يكون صاحب المتن امرأة أرادت أن تقول رأيا نسويا عن الجنس. فتصبح العقوبة مضاعفة، أولا لأنها تحدثت عن الجنس وثانيا لأنها امرأة، وتحاكم بمعيارين، الدين والمجتمع.

العلاقة المتوترة بين الكتابة والرقابة، أثارت أسئلة تتصل بمدى الحرية المتاحة للكتابة، وبأحقية التدخل المسموح للرقابة. لكن الأسئلة الحقيقية، تذهب بعيدا إلى حد التشكيك أصلا في جدوى وجود رقابة على الأفكار. وهل ينتظر من الكتابة أن تنضبط لمعايير غير المعايير الأدبية والفكرية؟ تزداد الأسئلة إحراجا حين يتعلق الأمر بالكتابة الجريئة، التي يسميها البعض بالكتابة الإباحية، وأيضا حين نتعاطى مع الكتابة النسوية منها. وابل الأسئلة المتصل بالقضية، يشير إلى موقفين من القضية، موقف يذود بكل ما أوتي من حجج عن حرية الكتابة، بشتى أشكالها وأغراضها، وأن لا أحقية لوجود موانع فكرية أو سياسية أو دينية، تقف أمام حريتها وفي وجه ولوجها كل المناطق المحظورة. موقف لا يعترف أصلا بالمناطق المحظورة، انطلاقا من أن كل القضايا قابلة للبحث والدرس والكتابة، ومن أن الكتابة لا تقيم ولا تقوم إلا بمعايير النقد، وهي جمالية وفنية وأدبية ولا صلة لها بالمعايير الدينية أو السياسية.

في المقابل ثمة موقف ثان، وإن تفاوتت مستويات رفضه لجموح الكتابة، يقول إن الكتابة يجب أن تحترم خصوصيات المجتمع الذي تنتمي إليه وتتحدث باسمه وتطرح قضاياه، وينطلق أيضا من الحرية (حرية الكتابة أو سواها) لا ينبغي أن تكون مطلقة، وإلا تتحول إلى فوضى. موقف يحاجج بالقول إن مواضيع الذات الإلهية أو الإغراق في التفاصيل الجنسية لن تنفع المجتمع، بل ستسرب إليه رمال الانحلال الأخلاقي.

القضية أبعد من مجرد موقف من كتاب أو من ديوان شعر، بل تغوص في المركزية الدينية للتراث العربي، وهي مركزية أنتجت تصورات طالت كل القضايا، وتشظت إلى تقييم كل الأفكار انطلاقا من صلتها بالمتصور الديني. فهل الكتابة تمتلك الحرية في أن تقول ما تريد، أم أنها مجبولة بأن تقول ما يريده المجتمع وآلياته الرقابية أو ما يتيحه لها من منسوب حرية؟

للمزيد:

لا أهلية للأحكام الأخلاقية لتقييم الإبداع

الحد الفاصل بين حرية الإبداع وازدراء الأخلاق

12