الكتابة الشعرية والمجموع الشعري والمحرر الأدبي

الأحد 2016/07/10
القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام

I

يقترب عمر الصنعة الشعرية العربية من ألفي سنة، وعمر التنظير لها أكثر من 1300 سنة، لها رصيد ثري في خطابات النقد العربي القديم، وجرى عليها كلام نقدي مركّز من قبل علماء المسلمين. ومع ذلك فهي بالنسبة إلى دارج ثقافتنا العربية الحديثة، كما يتجلى في خطابات الشعراء أنفسهم، تبدو موضوعاً شائكاً يفضّل الكثيرون تجنب الخوض فيه، أو على الأقل عدم مقاربته بموضوعية، وإن بأريحية الشعراء.

بالمقابل نجد هناك إفصاحاً غريباً من نوعه عن طبيعة عمل الشاعر مع الكلمات، يميل إلى دفع الصنعة عن الذات كما لو كانت تهمة أو إثماً يستوجب نفياً قاطعاً “أنا لا أكتب القصيدة، القصيدة هي التي تكتبني”..!.

ولكن، ما السبب وراء هذا الجنوح الغريب إلى نفي الصنعة، أهو تقديس الشعر إلى حد تنزيهه عن فكرة الصنع البشري، واعتبار القصيدة إلهاماً عُلْويّا يتنزل على الشاعر حتى ليبدو هو نفسه وليد القصيدة؟ أم هو إفصاح عن خوف من خالق أكبر وأعلى قدرة هو خالق المؤنثين: السماء والأرض، ولا قبل للشاعر بمنافسته!

***

في الشعر يبدأ التمييز بين قصيدة وأخرى في الديوان نفسه، مادامت كل قصيدة قد صدرت عن خبرة اختلفت شيئاً ما عن غيرها، فنياً، شعورياً، قصصياً، جمالياً.. إلخ.

صحيح أن كل قصيدة، هي من حيث المبدأ عمل مرتبط بشعورنا العميق بالفشل، أو الشك في مغامرة سابقة، أو على الأقل، عدم الامتلاء، وبالتالي استمرار السؤال المحرّض، أو غير ذلك مما أعتبره شعوراً بالناقص متأصلاً في الشاعر، وهو ما يجعله في كل مرة يضرب سهماً في الأفق نفسه، أو يحفر أعمق حيث حفر من قبل أقلّ.

ولكن على الرغم من هذه الاستمرارية وذاك التجاور بين قصيدة وأخرى على أرض المغامرة الشعرية لدى شاعر، فإن كل قصيدة في نظري هي عمل فريد رغم ما له من أواصر قربى سرية مع القصائد الأخرى، ما أن يكتشف الشاعر بحدسه العميق وخبرته التلقائية وذكائه الفنّي وصدقه الشعوري هذه الأواصر، أو الخيوط السرية الرهيفة، حتى تنفتح له أبواب السر في الصنيع الشعري وفي علاقات القصائد ببعضها البعض، ويتلمس طريقاً وحده يعرفها إلى عالم شعري هو عالمه وحده.

ما السبب وراء هذا الجنوح الغريب إلى نفي الصنعة، أهو تقديس الشعر إلى حد تنزيهه عن فكرة الصنع البشري، واعتبار القصيدة إلهاماً علويا يتنزل على الشاعر حتى ليبدو هو نفسه وليد القصيدة؟

II

يخيل إليّ أن كل مجموعة شعرية، كل ديوان، كل كتاب شعري لشاعر هو بمثابة ميتم، قصائد الشاعر فيه مثلهن مثل بنات يمرحن في يُتم. ولو سلم معي قارئ بأن الديوان إن هو إلا ملجأ للأيتام، فإن كل قصيدة تعيش هناك ستكون في انتظار قارئ يحبها، قارئ ما أن يكتشفها ويفرح باكتشافه حتى يخلِّصها ويهرب بها من ذلك الميتم.

الشعر له مثل هذه الفرادة، فرادة اليتم.

***

قلما نتفكر بمفهومنا للمجموع الشعري، أو المجموعة الشعرية، أو ما يسمّى الديوان أيضاً، الذي نجمع فيه قصائدنا ثم ندفع به إلى المطبعة لينشر. ما الذي يجعل من مجموعة قصائد لشاعر مجموعة شعرية، أو ديوان شعر؟ أهو زمن كتابتها، أم هي وحدة التجربة التي أنتجتها؟

لم أفكر من قبل، بشكل دقيق، بمضمون هذا التساؤل، على أهميته. بل ربما بسبب أهميته الفائقة. مع أنني طالما كنت منشغلاً ببناء مجموعاتي الشعرية الواحدة تلو الأخرى، وأحياناً الواحدة بجوار الأخرى، بصرف النظر عن منطق زمن الكتابة.

ربما يكون متعباً استعراض هذه الطريقة المفترضة في بناء المجموعات الشعرية، وقد يبدو الأمر غير طريف أبداً، خصوصاً بالنسبة إلى قراء يميلون، عادة، إلى الاستمتاع بالشعر أكثر من ميلهم إلى معرفة كيف اجتمعَ هذا الشعرُ في كتاب. لكنه، بالضرورة، عمل تأليفي بامتياز من حيث الاختيار والتبويب والعلاقات التجاورية بين القصائد والمقطعات الشعرية، أو الشذرات. إنما كيف يتم ذلك ومتى، فهذا ما لا يمكن التنبؤ به، أو تحديده مسبقاً، ولكن بعد الكتابة. فبعد أن تكون القصائد كتبت، تبدأ المرحلة الأكثر تعقيداً في بناء الكتاب الشعري أو المجموعة الشعرية.

في هذه المرحلة من حياة كتاب شعري تتكشف للشاعر قبل غيره طبيعة العلاقات الكائنة بين النصوص. ولعل أخطر ما يفعله الشاعر، في نظري، هو تنظيم العلاقات بين المؤتلف والمتنافر في شعره، فالنصوص لا تأتلف بيسر، فهي ليست كيانات مطيعة، بل يدرك كثير من الشعراء بأنها غالباً ما تتمرد، لذلك تحتاج القصائد إلى علاقات تجاورية مبدعة ومبتكرة، حتى تستوي في الكتاب. أي اكتشاف “الصيغة السحرية” التي تجمع بين كل هذه الكائنات الغريبة القائمة على التناقض واليتم والتي نسميها قصائد. إنه إتلاف المختلف، وهو ما يُوَلِّدُ الضوءَ أصلاً في الشعر.

الشعر لعنة، وهو قبل هذا وبعده صنعة عظمى

***

ولكن هل يمكن للشعرة الرهيفة أن تفصل بين كيانات من قبيل “مجموعة شعرية”، “ديوان شعري”، “كتاب شعري”؟ هذا أيضا سؤال دقيق، الإجابة عنه تقتضي منا العودة إلى بعض التجارب. فالديوان، مثلا، كما عرفته الثقافة الشعرية العربية، باستثناء تجربة فريدة تتمثل في مخطوطين لأبي العلاء المعري هما “اللزوميات” و”سقط الزند” هو قصائد أشتاتٌ، كذلك هو حال “المجموعة الشعرية” وهو المصطلح الأكثر رواجا في أزمنتنا، هي اسم آخر للديوان لا أكثر.

يبقى الفرق، إذن، قائما بين المجموع أكان ديواناً أو مجموعة، وبين “الكتاب الشعري”. ومن الأمثلة عليه في الشعر العربي الحديث “القصيدة ك” لتوفيق صائغ، و”الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع″ لأنسي الحاج، و”صور” لعباس بيضون، وأعمال أخرى غيرها لشعراء آخرين تتميز بوحدة التجربة ووجود

هارموني لغوي. بل ووحدة موضوع، سواء كان النص قصيدة طويلة متصلة أو هو قصيدة تقوم على بناء مقطعي مرقم أو حتى مزود بعناوين فرعية، من دون أن ننزع عن “الديوان” أو “المجموعة” احتمال أن تكون العلاقات التي تجمع بين قصائدها أقوى بكثير من عناوين القصائد التي أفْرَدَتْها. إنّ “الكتاب الشعري” غالباً ما يتضمن نصاً من جزء أو أجزاء، وله وحدته القائمة أحياناً على موضوع يؤكد هذه الوحدة ويبني عمارته، ليشبه في الموسيقى العمل السمفوني.

إن هذا التوصيف لوحدة العمل في الكتاب الشعري لا ينفي الوحدة عن المجموعة الشعرية ذات القصائد المفردة. لكنها هناك من طبيعة وسمات مختلفتين.

III

تحملنا المغامرة الشعرية بمفاجآتها اللغوية والجمالية المستمرة على البقاء متأهبين لقبول كل فكرة جديدة تتعلق بقراءة الشعر وتوصيفه وبانفتاحه على الإمكانات المتعددة لتوليد الشعري، خصوصا عبر الوسيط النثري.

تحملنا هذه المراجعة لفكرة المجموع الشعري في انفتاحه على التقنيات والمصطلحات والمعاني وقابليته للتماس معها واستيعابها، بل وإنتاج جديد غيرها، على التفكير أبعد. خصوصاً إذا ما استدخلنا في فهمنا للشعر والشعرية أعمالاً مثل “المواقف” للنفرّي، و”الإشارات الإلهية” للتوحيدي، و”التجليات” لابن عربي، وكتاب “التوهم” للمحاسبي، وكتاب “اللمحات” للسهروردي، فضلاً عن رسالة “الغفران” للمعري. وغيرها مما يضيف ويثري في هذا المنحى شعرية الشعر ويوسع من مفهوم الشعري.

إذا ما اعتبرنا أمثال هذه الكتب، التي توصف بأنها نثرية، بمثابة جوامع لكلام أغربَ من النثر وأجنحَ وأبعدَ في منطقه وعلاقاته من المنطق المألوف للنثر، ومن علاقات الكلام المرسل، فلم يعد بوسعنا إلا أن نعتبر واحدها كتاباً لجنوح شعري، أو لميول شعرية تدفقت حرة في شرايين اللغة العربية؛ بعضها فيه من الشعر أكثر مما في الكلام المنظوم من شعر.

IV

في عالم الكتابة في العصور الحديثة، في أوروبا وأميركا خصوصاً، يحتل المُحرّر مكانة رئيسية، سواء عند كبار الكتاب الذين غالباً ما يستعينون بمحررين، أو عند دور النشر التي تعتبر تحرير الكتاب أمراً أساسياً قبل الشروع بنشره. لسبب أو آخر ليس هناك في الثقافة العربية رواج لوظيفة المحرر الأدبي، بل هي فكرة تبدو غريبة إلى أبعد الحدود، إن لم تكن تبدو مثيرة لحساسية الكاتب الذي يضيره حتى أن يرسل كتابه إلى مدقق لغوي خشية أن ينتقص هذا من كيانه المبدع.

في الغرب تنطبق فكرة المحرر الأدبي على محرري الروايات والسير الذاتية وكتب الأبحاث والدراسات وما شابه. ولكن هل يحتاج الشاعر أسوة بالكاتب إلى محرر؟ هل نقبل أن يستعين شاعر بأحد في تحرير قصائده؟

كل كتاب شعري لشاعر هو بمثابة ميتم، قصائد الشاعر فيه مثلهن مثل بنات يمرحن في يتم. ولو سلم معي قارئ بأن الديوان إن هو إلا ملجأ للأيتام، فإن كل قصيدة تعيش هناك ستكون في انتظار قارئ يحبها، قارئ ما أن يكتشفها ويفرح باكتشافه حتى يخلصها ويهرب بها من ذلك الميتم

***

من تجربتي الشخصية كمحرر للأدب في غير مطبوعة أدبية على مدار عقود ثلاثة، حررت شعر البعض من الشعراء والشاعرات العرب، مدفوعاً، مرات، برغبة في انتشال جَمال ما من عَثَرَته، واعترافاً بقوة وجاذبية ما في مواضع من نصوص وجب إنقاذها من ركاكة هنا أو هنة هناك، تسبب بها، غالباً، ضعف الخبرة لدى مبدعين موهوبين. ومرات بفعل رغبة في توريط شخصيات موهوبة يعوزها محرض على الكتابة لإطلاق ما في دواخلها من جمال ومن قدرات إبداعية حبيسة. بل أحيانا لإنقاذ البعض من جحيم دواخلهم من خلال خوض تجربة الكتابة.

في كل الحالات، كانت وراء هذا الشغف الذاتي دوافع فكرية تريد التأكيد على ثراء الروح الإنسانية وقدرة كل بشر على الابتكار لو قيضت له الظروف والأسباب.

إنما في مراجعة صارمة لهذا التفكير وهذا التدخل في شبكة حواس الآخرين وعلاقتهم باللغة وبالعالم وبذواتهم قبلاً، تولدت لديّ قناعة بأنني من حيث تصرفت بفرح ولطف وجمال وحب لهؤلاء، آذيتهم، لكوني، ربما، ساعدتهم على المضيّ في تجاربهم انطلاقا من طرائق وكيفيات هي ثمرة بحث واكتشاف شخصيين.

تلك كانت طريقتي الخاصة في التعبير الشعري، وربما كنت تسببت بانحراف لا شفاء له في نظرة البعض إلى اللغة وعلاقته مع الكلمات ورؤيته للشعر، بصرف النظر عن العمق والمتانة مادامت خصوصية التجربة أو “أصالتها” قد تضررت بفعل تدخلي.

***

اليوم ألوم نفسي كثيراً على ذلك، خصوصاً عندما تأكد لي أن تدخلي كان يبتعد بالنص عن بصمته الأولى، وإن بدا ذلك مسعفاً للشعر.

الآن أتشكك في أن عملي ربما قطع الطريق على التجربة أن تنمو نمواً طبيعياً، حتى لو كان هذا النمو بطيئاً، وأقلّ إبهاراً. لكنه كان يمكن أن يؤدي إلى شيء مختلف، أكثر ارتباطاً بالشخص وتجربته الإنسانية الخاصة.

***

سقت ما سلف لأقول: قد ينفع المحرر في كل ألوان الكتابة إلا الشعر. وفي نظري أن الشعراء الذين يحتاجون إلى محررين لنصوصهم، الأفضل لهم، ربما، أن يغامروا مع شيء آخر غير الشعر.

فن الشعر ليس مجرد استسلام لحالة غامضة نسميها الحالة الشعرية يطلق الشخص خلالها دواخله خارجاً على الورق ويقول تعالوا ونقّحوني لغوياً، فأنا شاعر، أنا شاعرة.

الشعر لعنة، وهو قبل هذا وبعده صنعة عظمى، عمل خارق مع الكلمات لشاعر امتلك ثقافة رفيعة، وخبرات جمة.

لندن حزيران/ يونيو 2016

افتتاحية عدد يوليو من الشهرية الثقافية "الجديد" تنشر بالاتفاق مع المجلة.

شاعر من سوريا مقيم في لندن

11