الكتابة المشتركة

التساؤل، الذي يسبق قارئ الأعمال المشتركة، عن بداية ونهاية القلم الأول وعن بداية القلم الثاني فهو تمرين قد لا ينصف كثيرا من هذه الأعمال.
السبت 2018/06/23
امتزاج الأمزجة (لوحة: شادي أبوسعدة)

في بداية ثمانينات القرن الماضي، التقى هرمان روائيان في تجربة كتابة رواية مشتركة. ويتعلق الأمر بجبرا إبراهيم جبرا وعبدالرحمان منيف، بينما لم يكن العمل سوى التحفة الشهيرة “عالم بلا خرائط”، وهي التي تسبقها تجربة الرجلين والتراكم الذي حققه كلاهما، كل بطريقته وأسلوبه ومساره المختلف.

الناقد العراقي عبدالواحد لؤلؤلة عاش هذه التجربة من موقع صداقته للكاتبين، حيث كان جبرا إبراهيم جبرا قد هاتفه يوما ما ليسأله من موقعه كناقد إن كان قد سبق لكاتبين أن أصدرا عملا مشتركا وليخبره بفكرة الرواية التي ستجمعه مع عبدالرحمان منيف. صار عبدالواحد لؤلؤلة طرفا ثالثا خفيا، على الأقل كقارئ استثنائي كان يطلع على الصفحات التي يكتبها جبرا إبراهيم جبرا قبل أن يرسلها إلى عبدالرحمان منيف.

 أما المدهش، فهو أن يقر عبدالواحد لؤلؤلة بكونه لم يستطع، وهو العارف بكتابة الرجلين، التمييز، بعد صدور العمل، بين أسلوب عبدالرحمان منيف العارف بخبايا المجتمع السعودي في العهد العثماني وأسلوب جبرا إبراهيم جبرا العارف بالموسيقى الكلاسيكية وفنون الرسم والنحت.

والحقيقة أنه خارج مثل هذه الحالات، يتم النظر، في غالب الأحيان، إلى الكتابات المشتركة بشكل دوني، حيث جرت العادة، على سبيل المثال، كما يشير إلى ذلك الناقدان الفرنسيان لافون وبييترز في كتابهما الخاص بالظاهرة “نحن آخر”، إلى تناسي الروائي الفرنسي ماكسيم دو كامب، حين يتم الحديث عن شريكه في الكتابة كوستاف فلوبير، واللذين جمعتهما صداقة تمتد على أربعين سنة. فلوبير نفسه كان يتماهى مع الإحساس بالأبوية، وهو ما تكشف عنه رسالة له موجهة إلى ماكسيم دو كامب، حيث كان يمتلك الجرأة لينبهه إلى عدم التسرع في إصدار عمله الجديد وإلى ضرورة إخضاعه إلى كثير من الرتوشات والتغييرات من طرف شخص ثالث.

أما الأمر المفارق فهو أنه بالرغم مما يمكن أن يمثله تلاقي التجارب الكبرى، يندر أن تصل الأعمال المشتركة إلى بوديوم الجوائز الأدبية، حيث لم تتجاوز، على سبيل المثال، الروايات المشتركة الحاصلة على جائزة الغونكور الشهيرة، العملين فقط، وكان ذلك خلال بداياتها، قبل أكثر من قرن، مع فوز الكاتبين الفرنسيين جيروم طارود وجون طارود، ثم مع فوز ماريوس-آري لوبلوند، وهو بالمناسبة اسم مستعار كان يتخفى وراءه الروائيان جورج أتيناس وألكسندر ميرلو، لتقطع بعد ذلك الجائزة الطريق أمام الأعمال الروائية المشتركة.

أما التساؤل، الذي يسبق قارئ الأعمال المشتركة، عن بداية ونهاية القلم الأول وعن بداية القلم الثاني فهو تمرين قد لا ينصف كثيرا من هذه الأعمال، خصوصا منها التي تستطيع أن تمزج الأمزجة بفضل كيمياء الروح التي تسبق الأسلوب والأفكار. بالطبع، ذلك خارج نصوص الكتاب الذين يعيشون كسادا على مستوى الخيال والإبداع.

15